في باحة المسجد القريب من مجزرة الصبره، كانت احاديث المواطنين تعلو على صوت الإمام، " هذه القصة تروى لطفل (..) قال تسرب غاز سبب الإنفجار"، بيان عائلة أبو عاصي وزع  للتو عليهم، لحظات حتى صرخ أحد أفراد عائلة أبو عصر التي فقدت ابنها في الحادثة وهو يجول بين المشيعون: " والله أهلا..واحد بيطلع مرته وأولاده من البيت قبل الإنفجار، بيقولوا مجنون" .

في شارع المنزل الذي ولد هذه الفاجعة، وقتل على اثرها -7- وأكثر من -30- جريح بعضهم في حالة حرجة، ولا يبعد عن المسجد الذي سيجري تشييع جثامين الضحايا، سوى أمتار، أٌلقيت سعف النخيل على ابواب البيوت، " يا الله(..) كل عشرة متر في بيت عزاء " قال أحد الجيران، ثم هرول لتأدية الصلاة على الضحايا.

الإمام يدعو الجميع لضبط السطور للبدأ بصلاة الجنازة على العائلة الملفوفة بالأكفان، عدي معين النمله  21 عام، ابراهيم عماد حجازي 16 عام، معين زهير السوافيري 22 عام، حسام مازن ابو عصر 16  عام، خليل عبد الرازق الدريملي 57 عام.

هدأت الهتافات قليلاً، حتى انتهت الصلاة، خرج الخمسة محمولين على الأكتاف، صوت من بينهم صرخ وردد خلفه الجميع"حسبنا الله على السبب في هالكارثة"، وما إن مرت الجنازة من جانب منزل السوافيري –أحد الضحايا- حتى انفجرت الأصوات الباكية، وسرعان ما طغى عليها صرخات المشيعون .

"كان يوزع حلو يا الله قبل ساعة من هالنكبة" قال شقيقه بضيق نفس، ثم أكمل " ما لحق لسا يعرف جنس مولوده إلى حلّى الناس لأجله"، ولم يستطع بعدها أن يلفظ حرف واحد، كان السوافيري " العريس الذي لم يفرح بعد" كما قال أقاربه،  يوزع الحلوى أمس على جيرانه بمناسبة أن حملت زوجته، بعد 5 شهور من الزواج .

في زاوية أخرى من مشهد الجنازة المركب، كان والد الطفل الحجازي يتمتم بلا أي حراك: " يا ريتك يابا ظليتك تاكل كيك في البيت(..) بدل ما تنزل تشوف الدمار"، ثم صرخ بصوت عال" يا ريت منعتك تنزل من الدار" .

لم يكمل حجازي أكل قطعة الكيك التي حملها بيده ونزل بسرعة بعد أن سمع صوت الإنفجار الضخم الذي هز الحي، ليرى الحدث، فكما يقول جاره، لم يمض على وقوفه أمام منزل أبو عاصي لحظات، حتى التهمته جدران المنزل ووقعت عليه.

كان فرع الجنازة الذي يحمل جثماني الدريملي والنملة، قد أخذ مساراً التفافياً للوصول إلى الباصات التي ستقلهم إلى المقبرة الشرقية - مكان دفن الضحايا الخمسة -، وشاءت الأقدار أن يحمل رجلا الإصلاح الذين حاولوا حل الإشكالية بين الولد وأبيه باصلاحههم، في طريق واحد، هنا، كانت أصوات عائلتا الدريملي والنملة تختلط ببعضها، نجل الدريملي الذي يحمل نعش والده من الجهة اليمنة  يقول بصوت متهدج: " رايح تصلح بينهم يابا، رجعت محمول"، وكذللك كان والد عدي النملة، يرثي ولده بذات الكلام.

في منطقة أخرى، كانت جنازة أصحاب المصيبة، عماد و مجدي ابو عاصي، تشيع بصمت، لا صوت يظهر غير وقع الأقدام، ضحيتين الأن و  4 اصابات خطرة تم تحويلها إلى مشافي الداخل المحتل، الجميع غارق في تفكيره بهذه الحال التي خلفها احمد أبو عاصي 33 عام، الذي يصارع الموت الأن  في غرفة الإنعاش ، بعد أن ساءت اصابته اليوم .

أحد أفراد العائلة قال لنا، إن أحمد كان يومياً يفتعل مشكلة كهذه التي أدت لكارثة، ويخوض دوماً في قضية "الإرث"، حتى يأتي أحد الجيران أو الأقارب ويضع في جيبه مبلغاً من المال، فيسكت على الفور .

في المقبرة الشرقية، حفرت القبور الخمسة للضحايا بجانب بعضها، اجتمعت العوائل كلها بجانبها ووضعت جثث الضحايا أولاً على الحافة، ليودعها الأهالي، لم ترفع أغطية الأكفان عن الوجوه المبعثرة من شدة الإنفجار الذي لن يعرف سره "إلا من أحمد إذا نجى" كما يقول أحد سكان الحي، انزلت الجثث بعد توديعها، وقالت العوائل المجتمعة: " لا عزاء إلا بالقصاص" .