حالةٌ من التفجع والثكل تعتري الكلمات حتى دون قصدٍ منها، كلما حاولت  تسخيرها توصيفاً أو تقريراً للواقع الفلسطيني والغزي خصوصاً، ولا فرق بين الواقع السياسي أو الإقتصادي أو الإجتماعي، فأيما أبوابٍ طرقت ستجد واقعاً رثاً أنشأته مقدماتٍ لا ريب هذه نتائجها، ولا أحد يريد تحمل المسؤولية عن هذه النتائج، وهي حالة متقدمة من النكران المَرَضي تضمن للجميع البقاء في مواقعهم، ابتداءً بالمسؤول وصولاً للمواطن، وهذه الحالة من النكران تشبه حالة الإعلام السعودي حين حمّل كلاً من إيران وقطر مسؤولية الاشتباكات في عدن، بين من يوالون السعودية ومن يوالون الإمارات،  وفيمن يوالون الإمارات شخصٌ يدعى هاني بن بريك، وهو ذو خلفية سلفية تعتقد بحرمة مجرد نصح الحاكم علناً، لكنه لم يتوان عن محاربة الحاكم"هادي" حين ارتأت الإمارات ذلك، وليس من الصعوبة تبرير هذه اللوثة بمبرراتٍ شرعية وسياسية وأخلاقية، كما هو  الحال  الفلسطيني على كل ما فيه من اللوثة والتلوث لا تنعدم التبريرات، وبرغم كم الصفاقة الصادم في هذه التبريرات، إلّا أنّها تزدان بالقبول الحزبي دائماً والجماهيري أحياناً، بينما على جانبٍ آخر تحتاج الجماهير العربية لآلاف المعلقات والشروحات والمحاضرات والمقالات لتمرير الحقيقة المعاشة إلى تلافيفها الدماغية.

تعتبر "إسرائيل" أنّ محور المقاومة عدوها الأول والأوحد، ولكن الجماهير انتقلت من حالة إنكار هذه الحقيقة إلى حالة التعايش وصولاً لحالة الاستحسان، وقدم  لهم  المشتغلون  بالتبرير أكواماً من المبررات التي لا تنغص عليهم أحلامهم بالجنة، وهي حالة قديمة كما قال جورج أورويل، فحين تريد صناعة طائرة 2+2=4، أما في الدين والأخلاق والفلسفة والسياسة فـ 2+2=5، وبما أنّه ليس من الوجاهة إثبات المثبت، فليس المبحث هنا لإثبات الخطر الوجودي الذي يمثله محور المقاومة على كيان العدو، بل محاولة لاستقراء متي يتحول هذا الخطر من مرحلة التجهيز إلى مرحلة التنفيذ، وهو ما تسعى"إسرئيل" لإطالة أمده إلى أقصى وقتٍ متاح، فحين نسترجع تاريخ هذا العدو وهو يُعيَّر العرب بطلاقة ألسنتهم دون فعالهم، ندرك كم طالت ألسنته وتقزمت فعاله، فقط في الأسبوع المنصرم تحركت ألسنته السياسية والعسكرية والأمنية تجاه لبنان بالتهديد والوعيد، ولكن صدق أحد المحللين الصهاينة وهو الكذوب، حين قال هذه التهديدات تعني"أمسكوني"، ومنذ انتهاء عدوان تموز 2006 لم تكفّ "إسرائيل" عن الثرثرة، والتهديد بإعادة لبنان للعصور الحجرية، ولا زلت أقول أنّ هذه التهديدات تشبه من يحدث نفسه في الظلمة استئناساً.

نشر المتحدث الرسمي باسم جيش العدو مقالاً موجهاً للبنانيين قال فيه"إنّ حزب الله وإيران يحولان لبنان إلى مسرح لهما ومقر لبناء مصانع لانتاج صواريخ دقيقة(...)وأنّ دولته لن تتردد في شنّ هجماتٍ داخل  لبنان"، وهذا يشبه تفاخر باراك أوباما بإنجاز الاتفاق النووي حين قال"منعنا إيران من انتاج القنبلة النووية"، في حين أنّ إيران لم تقل يوماً أنّها تسعى لذلك، بل وتعتبر انتاج هذا النوع من السلاح محرماً شرعياً، وقد كنا نظن أنّ الناطق باسم جيش العدو حين يريد تدمير مصانع الصواريخ التي يقول أنها في لبنان، سيشن الهجمات على سنغافورة، وهذا التوضيح سيجعل حزب الله يسارع لإزالة خيار سنغافورة، كما أنّ نتن ياهو يقول"بأنّ إسرائيل ستتحرك إذا لزم الأمر لمنع لبنان من التحول لقاعدة صواريخ"، ولا أظنّ أنني أنا من قال بأنّ حزب الله يمتلك 150 ألف صاروخ، ويبدو أنّ هذا الناطق كرئيسه يستخدمان ذكاءهما الخلاّب بهدف تأليب لبنان رسمياً وشعبياً على حزب الله، وهي سياسة بمحض الصدفة تتطابق مع السياسة السعودية، ولكن حتى هذه اللحظة لم يجد المتطابقان منفذاً للتخلص من حزب الله، سوى محاولات يائسة للتسلق على توتراتٍ داخلية، أثبت حزب الله في أكثر من محطة أنّ قوته كما هي تحصين من العدوان الخارجي هي بذات القدر حصانة داخلية.

لأول مرة منذ عدوان تموز 2006 كانت نتائج ما يسمى بـ"مؤشر الأمن القومي"في"إسرائيل"، أنّ 66% من"الإسرائيليين" يؤيدون شنّ عمليات عسكرية ضد حزب  الله، حتى لو أدّى ذلك إلى حربٍ شاملة، والحقيقة أنّه رغم عدائية المستوطنين الفطرية، فإنّ هذه الأرقام لا تعكس حقيقة تهلهل الجبهة الداخلية، ولكنها تأتي في إطار الحرب النفسية المضادة للحرب النفسية التي يمارسها حزب الله على العدو، حيث عمد السيد نصرالله إلى التأكيد مراراً أنّ الحرب المقبلة في حال اندلاعها لن تكون على الأراضي اللبنانية فقط، بل ستمتد إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، لذلك فإنّ هذه الجبهة الداخلية فقدت ثقتها بالقيادات العسكرية والأمنية والسياسية، والتهديدات"الإسرائيلية" تدخل في باب استعادة هذه الثقة المفقودة، كما هي تلك الإحصائيات المبتذلة، لذلك فإنّ مبادرة"إسرائيل" لشنّ عدوانٍ على لبنان ليست بالأمر الوارد بمحض الإرادة، إلّا إذا ارتكب خطأً شديد الحماقة يستدعي رداً قد يتدحرج لاندلاع الحرب، أما ما يمكن أنّ يحدث وهو بكل الأحوال أقل كلفةً رغم أنّه مستبعدٌ حالياً، فهو عدوان جديد على غزة، رغم أنّ الفصائل تحاول تجنب ذلك بكل السبل، ومن أهم تلك الوسائل أن تفهم"إسرائيل" أنّ الحرب على غزة لن تكون نزهة فعلاً لا قولاً.