تستغل (إسرائيل) كومة الأزمات الإنسانية التي تعصف بقطاع غزة في ظل الظروف الإقليمية؛ في فتح ملف جنودها الذين أسرتهم حركة "حماس" في حرب العام 2014، وبرغم فشل كل الوساطات في إحراز أي تقدمٍ يذكر، إلا أن الحديث في هذا الشأن، أخذ منحىً أكثر جدية منذ بدأ الرئيس الأمريكي الجديد "ترامب" تسويق خطته لحل القضية الفلسطينية فيما عٌرف بـ "صفقة القرن" .

مؤخراً، تزايد الحديث الإسرائيلي عن صفقة تبادل قد تتم برعاية مصرية، "دافيد ميدان" كان آخر من تحدث عن هذا الملف، و"ميدان" هو المنسق الإسرائيلي المسؤول عن المفاوضات لاستعادة جثث الجنود والمدنيين المحتجزين لدى حركة حماس، واعتبر "ورجل الموساد السابق" أنه لا يمكن التوصل إلى صفقة جديدة لتبادل الأسرى والمفقودين مع "حماس" بدون وساطة مصرية، وأن ما كان ملائماً خلال مفاوضات صفقة "وفاء الأحرار" التي تم بموجبها إعادة الجندي الإسرائيلي، جلعاد شاليط، لم يعد مناسباً اليوم.

فيما يرى المختص في الشأن الاسرائيلي فرحان علقم أن "حماس" ستكون حريصة في التجاوب مع مصر في ملف الأسرى، عازياً ذلك؛ إلى الهدوء النسبي الذي يسود علاقتها بالقاهرة، خاصةً بعد توسط الأخيرة في ملف المصالحة وتقدير "تل أبيب" بعدم وجود رغبة حمساوية في ازعاج مصر.

وأوضح علقم في حديثه لـ "نبأ برس"، أن هناك عدة عوامل قد تدفع (إسرائيل) إلى حصر خيار انجاز صفقة التبادل برعاية مصرية، ومن بين تلك العوامل، هي أن الضمانات التي سيوفرها الوسيط المصري ستكون مشجعة ولن تقدمها أي جهات أخرى، إضافةً إلى وجود الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وهو الأمر الذي تعتبره (إسرائيل) كنز استراتيجي.

وبين "علقم" أن ملف صفقة التبادل مرتبط بكافة التطورات في المنطقة، ويأتى ضمن التحضير الأميركي لصفقة القرن، مشيراً إلى أن (إسرائيل) تبحث عن صفقة تبادل رخيصة الثمن، وذلك في إطار "صفقة القرن"، خاصةً في ظل التغيرات الميدانية في قطاع غزة، وإرهاصات تعثّر المصالحة، واستغلال ذلك إسرائيلياً لاستنزاف قدرات المقاومة، والتضييق على سكان القطاع الذي أفقدهم عوامل الصمود.

وتابع "لا اعتقد أن حماس معنية بانجاز صفقة تبادل لا تحقق أدنى الشروط والمتطلبات التي تتطلع إليها، لأنها ملزمة بتحقيق ما أعلنته للجمهور؛ لأن عدم تنفيذ تلك التطلعات سيفقدها جزء من مصداقيتها وشعبيتها".

وفي تناغم أميركي مع المواقف الاسرائيلية، هاجم مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الشرق الأوسط "جيسون غرينبلات" الذي أجرى لقاءات ماراثونية في (إسرائيل) اختتمها بجولة على طول حدود قطاع غزة، وزار بعض مواقع الأنفاق المكتشفة، والتقى بعائلات الجنود الإسرائيليين الأسرى، -هاجم- حركة "حماس"، وطالبها بإعادة الجنود الإسرائيليين الأسرى في قطاع غزة. وأَضاف "تعاني هذه العائلات ألمًا لا يحتمل نتيجة تصرفات حماس المخزية والخسيسة، فيجب أن يعود جميع الإسرائيليين، وأصلّي من أجل عائلاتهم".

بدوره، قال أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة حسن نافعة، إن العلاقات المصرية الإسرائيلية تمر في مرحلة "جيدة"، خصوصاً في ظل ما يشبه القطيعة بين الولايات المتحدة والسلطة الفلسطينية بسبب اعلان القدس.

وأوضح نافعة في حديثه لـ "نبأ برس"، أن (إسرائيل) تعوّل بشكل كبير على الدور المصري بسبب العلاقات الجيدة مع (إسرائيل) والسلطة الفلسطينية وحماس في الوقت ذاته وهو ما سيساعد على انجاز صفقة التبادل.

وبين نافعة أن (إسرائيل) تثق بمصر، وبدور الوساطة المهم الذي يمكن أن تلعبه في انجاز صفقة التبادل وقدرتها على التأثير على حركة حماس واقناعها للقبول بحل وسط دون أن تقبل شروط تتجاوز منظور الحركة الوطنية الفلسطينية، في قضية وطنية لا تملكها وحدها وهي ملك للشعب الفلسطيني.

وعلق أستاذ العلوم السياسية المصري على دخول مبعوث ترامب على ملف الجنود الاسرائيليين الأسرى ومطالبته باستعادتهم قائلاً "أميركا لا تختلف عن اسرائيل بالمطلق وفي بعض الاحيان تتجاوز الموقف الاسرائيلي وتكون أشد تطرفاً منها، وتلعب دور خطير في تصفية القضية الفلسطينية وذلك في اطار صفقة القرن".

من الجدير ذكره أنه في السادس من شهر يونيو الماضي، أقرّت حكومة الاحتلال رسمياً، ولأول مرة، أن حركة "حماس" تأسر 4 إسرائيليين (جنديين ومستوطنين) في قطاع غزة، مطالبة بتمكين "الصليب الأحمر" من زيارتهم.

وكانت "كتائب القسام"، الذراع العسكرية لحركة "حماس"، أعلنت في الثاني من أبريل 2016، أن في قبضتها أربعة من جنود الاحتلال، ونشرت أسماءهم وصورهم، دون إعطاء مزيد من المعلومات، وشدّدت على أن أي معلومات حول الجنود الأربعة لن يحصل عليها الاحتلال إلا عبر دفع استحقاقات وأثمان واضحة قبل المفاوضات وبعدها.

يشار إلى أن وزير الحرب الصهيوني " أفيغدور ليبرمان" اعترف في تصريحات لافتة، بأنه لا يعرف إذا كان الإسرائيليون المحتجزون في قطاع غزة أحياء أم أموات. وأضاف ليبرمان في معرض رده على سؤال بشأن ربط رفع الحصار عن غزة باستعادة جثث الإسرائيليين المحتجزين في غزة أنه "لا يعرف إذا ما كانوا جثثًا أم أحياء، ولن يحسن من ظروف معيشة سكان غزة قبل نزع السلاح وتسليم الإسرائيليين".

واتفق الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطاالله مع سابقيه إلى حد كبير، وقال إن مصر هي الجهة الوحيدة التي لديها خطوط اتصال بين حماس و"إسرائيل"، ولديها تجربة طويلة في التفاوض وسجلت نجاحاً مقنعاً عام 2011 عندما تمكنت من انجاز صفقة "شاليط".

وأوضح عطاالله في حديثه لـ "نبأ برس" أن الحديث الاسرائيلي عن صفقة تبادل مقابل حل الوضع الانساني بغزة يأتي كجزء من الضغط على حركة حماس ولعبة رسائل التفاوض التي تحاول "اسرائيل" إرسالها للجانب الفلسطيني.

وقدّر "عطا الله" بأن صفقة التبادل الذي قد تشهد انفراجة خلال الفترة المقبلة ضمن صفقة شاملة ستشهدها القضية الفلسطينية.