سقطَ الطابق الثاني لعائلة أبو عاصي على الأول، في مشهدٍ يشبه القصف الإسرائيلي لمنازل المواطنين، غير أن هذه المرة كانَ الانفجار داخلياً، تسبب بهِ أحد أفراد العائلة، وراح ضحيته سبعة مواطنين وأُصيب قرابة عشرين آخرين، السبب الأولي للحدث الذي أعلنت عنه الشرطة وقتها، هو انفجار أنابيب غاز متصلة بعضها ببعض تسبب به أحد أفراد العائلة عقب شجارٍ على الميراث.

"مجزرة الصبرة" كما أطلقَ عليها المواطنون في غزة لم تكن حادثة القتل الأكثر بشاعةَ هذا العام، إذ سبقَّ أن قَطعت امرأة زوجها دونَ أن تُعلن أي جهة رسمية عن السبب الحقيقي وراء ذلك، وهي حادثة "التقطيع" الأولى التي ترتكبها امرأة في القطاع.

بشاعة جريمتي القتل سابقات الذكر، لم تكونان الشيء الوحيد الملفت للنظر، فارتكاب ثلاثة جرائم قتل في شهرٍ واحد خلال الماضي يثير التساؤل حول الأسباب التي تدفع المجتمع في غزة إلى الجنوح نحوَ استسهال الجريمة.

مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان كانت قد ذكرت في الخامس والعشرين من إبريل 2017 أن قطاع غزة شهدَ ثلاثة حوادث قتل في شهرٍ واحد، الأولى لسيدة قتلها جارهم بهدف السرقة، بعدَ مغادرة زوجها وابنائها المنزل، وحادثة القتل الثانية كانت لزوجة من مدينة رفح جنوب قطاع غزة طعنها زوجها حتى الموت بعدَ ولادتها بأسبوع تقريبا، ونشرت الشرطة أن الزوج لم يكن بوعيه أثناء ارتكابه للجريمة، ونشرت عائلة الجاني كذلك بياناً عائلياً تنفي فيه الشكوك التي نُسجت حول الضحية، وأكدت أن الجاني ارتكبَ الجريمة دونَ وعي.

وقبلَ يستفيق سكان القطاع من حُمّى الجريمتين، تفاجأ سكان غزة بمقتل المسن اسماعيل غباين من سكان حي تل الهوا، الذي وجِدَّ ملقيا على الأرض إثر دفعه من شرفة الطابق الثاني من منزله، وقال الناطق باسم الشرطة المقدم أيمن البطنيجي إن الجاني تمكن من الفرار، ولم يتسنَ معرفة حيثيات الجريمة، فيما كٌشف في وقت لاحق، أن الجاني دخل المنزل بهدف السرقة.

مسؤول وحدة الرصد والتوثيق في مركز الميزان لحقوق الإنسان يامن المدهون قالَ في تصريحٍ لوكالة محلية في منتصف العام الماضي أن حوادث القتل بلغت عام 2017 أربعة عشر حادثة قتل على خلفيات متعددة، وبلغ عدد جرائم القتل في غزة عام 2016 سبعة وسبعين جريمة، والرقمين صادمين لسكان غزة، الذي كانَ يتغنى سكانه على مدار السنوات الماضية بأن جرائم القتل فيه، بالكاد تتجاوز أصابع اليد الواحدة، ولا ينفذ الجناة من جرائمهم أبدا..

" على مدار اليومين الماضيين حاولت "نبأ برس" التواصل مع الناطق الإعلامي باسم الشرطة المقدم أيمن البطنيجي غير أنه لم يجب على أيٍ من رسائلها أو اتصالاتها، لذا كانَ لا بد من البحث عن مصدرٍ آخر لآخر الاحصائيات حول جرائم القتل في غزة.

وكان "البطنيجي" قد صرّح في تقرير على وكالة محلية نُشرَ في مايو 2017 أن تقريراً للشرطة كشفَ عن ارتفاع جرائم القتل في غزة إلى 11 جريمة منذ مطلع العام الماضي وحتى تاريخ نشر التقرير.

وأكدَ الناطق باسم الشرطة الفلسطينية في غزة  في لقاءٍ سابق حول موضوع انتشار جرائم القتل في غزة مع مراسلة "نبأ برس" أن الجريمة في غزة غير منظمة، وتتنوع خلفياتها بينَ القتل بهدف السرقة أو بداعي الدفاع عن الشرف، أو القتل الخطأ، "ولا تشكل خطراً على المجتمع ككل إذ أن لكل جاني فيها أسبابه الخاصة"، وفق قوله.. فهل تختلف الرواية.

المختص النفسي فضل أبو هين أشار في لقاءٍ خاص بـ"نبأ برس" إلى أن المجتمعات التي تعاني من الفقر الشديد وشظف الحياة تنتشر فيها الجرائم بنسبة أكثر، ومجتمع غزة يعاني من قسوم الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لذا فإن تواتر عمليات القتل واتخاذها منحى عنيف كانَ متوقعاً.

وتابع " جرائم القتل حلقة من سلسلة جرائم يلجأ لها المطحونين بالفقر والعوز، بعدَ الجرائم العائلية والصراعات الطائفية وانتشار حالات الطلاق والعنف الاجتماعي والعائلي والمخدرات، وهي افرازات للظروف الصعبة، وإن لم تقل حدة التوترات سيزداد الوضع سوءًا".

وعن الحلول التي يمكن أن يُساعد بها المواطنون في غزة، قال أبو هين "هناك حلّان: الأول جذري ويكون على المستوى السياسي والاقتصادي والأمني، وهو صعب حالياً بسبب غياب التوافق السياسي، والحل الثاني (ترقيعي) ويقوم على استغلال وسائل الإعلام في تأكيد على أن الجرائم في غزة حالة غير سوية وغير طبيعية ويمكن التغلب عليها".