كشف " غصن الزيتون" – الاسم الذي أطلقته تركيا على عمليتها العدوانية- على الكرد في مدينة عفرين السورية، القضية المخبوءة، التي على أساس عدم معرفتها بنى معظم الفلسطينيون موقفهم الضبابي من الكرد، خصوصاً بعد رفع الأعلام الإسرائيلية في بعض المسيرات الكردية في كركوك – العراق، خلال زوبعة استفتاء إستقلال اقليم كردستان العراق مؤخراً .

هذا الموقف لم يشككه الواقع الكردي المعقد؛ الغائبة تفاصيله عن أذهان الكثيرين، إلا أن العدوان التركي على عفرين، أزاح ستار الدخان قليلاً عن القضية، ففي الوقت الذي تمطر فيه الطائرات التركية كرد عفرين، يخيم الهدوء على كرد العراق بل وتكاد تنعدم المواقف المتضامنة مع ما يتعرض له كرد سوريا .

هنا، قد يجول في خاطر المراقب العاقل تساؤل: "إذا افترضنا الكرد كتلة واحدة، هل يخرج برزاني ليحدد موقفه بدعوة تركيا للسلام، وتفريق قوات الأمن التابعة له تظاهرة خرجت مساندة لعفرين بالرصاص، بل وأكثر من ذلك،  تطويع برزاني معبر سيمالكا الحدودي الذي يفصل بين الأراضي السورية والعراقية، كأداة ابتزاز ضد كرد سوريا" .

قبل الرد على هذا التساؤل: من اللازم الحديث بإيجاز عن انتماءات الكرد في سوريا والعراق، يتبنى كرد سوريا نهج عبد الله أوجلان المعروف بـ " فلسفة الأمة الديمقراطية"، القائمة على نبذ الدولة القومية وبناء الأمة الديمقراطية التي يتعايش فيها الجميع بلونه ولغته وثقافته وكل عاداته وتقاليده ومعتقده الديني، وهو مؤسس وأول قائد لحزب العمال الكردستاني، الذي تتزعم تركيا حربها الأن ضده.

فيما ينتمي معظم كرد العراق إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي أسسه "مصطفى البرزاني" والد مسعود الذي تزعم الحزب حالياً، و وصل لزعامته مستفيدا من أعداد عشيرته الكبيرة في التصويت ومستغلاً شهرة عائلة البارزاني من خوض الحزب الديمقراطي نضالا مسلحاً ضد الحكومات العراقية .

وفي السنوات الأولى من إنشاء هذا الحزب انشق عنه معارضون لسياساته المخادعة في الستينيات وشكلوا الاتحاد الوطني الكردستاني بينهم جلال الطالباني الرئيس العراقي الاسبق (توفي مؤخرا) .

وفي أعوام التسعينيات عندما اندلعت مواجهات بين الحزبين الرئيسيين في اقليم كردستان العراقي أنذاك (البارزاني والطالباني) حينها كان مسعود البارزاني في سلطة الحزب، فركب الدبابات العراقية وهاجم مواقع طالباني وقتل وشرد الشعب، وكل هذا كي لا يقاسمه الزعامة أحد .

و تغلب على سياسة هذا الحزب النزعة القومية والتفردية الحاكمة، ويعتمد إلى حد كبير على العشيرة البارزانية المائلة والموالية لتركيا، وقاد الحركات المسلحة ضد السلطات المركزية في بغداد منذ تأسيسه، وهو يعلن رغبته في تأسيس دولة كردية مستقلة، كان اخر محاولاته الإستفتاء الذي أجراه في كردستان العراق إلا أنه فشل .

وبين هاذين الحزبين وزعت انتماءات الكرد في سوريا والعراق، وكما الحال بطبيعة الأشخاص أشتريت  الولاءات، ففي الوقت الذي كانت تركيا تطارد عبد الله أوجلان عام 1999 بتهمة الخيانة العظمى لتركيا، كان برزاني يبحث عن الحضن في تركيا و ( اسرائيل) و امريكا، وتمكن تحت عنوان  مشروعه المسالم من أخذ التأييد التركي والاسرائيلي والامريكي .

ولربما رفع الأعلام الإسرائيلية  خلال المسيرة الكردية التي خرجت في كركوك في العراق دعما للإستفتاء، تبدي صدق الإنتماء، لكن في مقابل هذا الموقف من حزب برزاني، الذي كما قال أحد مسؤولين الكرد في مدينة عفرين لنا " برزاني مسؤول عشيرته ولا يمثلنا لا في مواقفه ولا سياسته خاصة اتجاه اسرائيل، وأن نهج أوجلان الذي نتبعه يعادي  الإحتلال الإسرائيلي، ويرفض اقامة العلاقات معه، فيما يشكل برزاني غرف العمليات لقصف أهداف  حزب العمل الكردستاني ومواقعهم واغتيال قادتهم من قبل تركيا في بيت البرزاني هذا خلافاً لمراكزه االمفتوحة للمخابرات الإسرائيلية، وكل هذا حفاظاً على مصالحه ومصالح عائلته  " .  

ختاماً، في الحسابات، لا يوجد خاسر أكبر من الشعوب التي رهنت أمرها وقرارها في لعبة الدول، وطوعت نفسها بحسن أو سوء نية بيد دول، أوقعتها في إيهام الصداقة والخوف على مصالح هذه الشعوب، وهي في الحقيقة تتعامل معها كأداة اضافية تساعدها في تحقيق جشعها اللا محدود.