وسط حالة التوتر السياسي التي تخيم على العلاقات بين السلطة الفلسطينية و(اسرائيل) من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى، أعلنت الحكومة الفلسطينية أنها ستنفذ توصيات المجلس المركزي الفلسطيني، وستدرس إمكانية وقف التعامل بعملة (الشيكل) الاسرائيلي، وتستعيض عنها بعملة وطنية قد تصدر قريباً.  

لكن، ما مدى إمكانية القيام بخطوة كهذه؟ يجيب مختصون في الشأن الاقتصادي أن إصدار عملة فلسطينية خاصة يحتاج  إلى جهود كبيرة على المستويين السياسي والمالي، فضلاً عن توفر احتياطات نقد أجنبية أو من معدن الذهب مقابل النقد المطبوع؛ للمحافظة على قوة العملة مقابل العملات الأخرى، إضافةً إلى وجود سيادة وسيطرة على الحدود الخارجية والمعابر، الأمر الذي يتطلب تعديل كل الاتفاقيات السياسية القائمة، واستبدالها باتفاقيات جديدة.  

وجاء مقترح الحكومة ضمن القرارات التي خرجت بها اجتماعات القيادة الفلسطينية مؤخراً، رداً على اعتراف الرئيس الأميركي "دونالد ترامب" بالقدس عاصمةً لـ (إسرائيل)، وأطلقت السلطة تهديدًا مباشرًا بتنفيذ قرارات وتوصيات المجلس المركزي، والبدء بخطوات فك الارتباط الاقتصادي مع الاحتلال، والاستغناء عن عملة "الشيكل" وإعلان عودة الجنيه الفلسطيني للتداول بعد غياب استمر لأكثر من 70 عامًا. 

على نحو متفائل، رأى الخبير الاقتصادي الحسن بكر أن النظام المصرفي الفلسطيني أصبح جاهزاً للتحول إلى بنك مركزي بالإضافة إلى توفر العديد من المعايير، مستدركاً، أن إصدار عملة فلسطينية في ظل عدم الاستقرار السياسي خصوصاً في تلك المرحلة أمر خطير.

وأوضح بكر في حديثه لـ "نبأ برس" أن تشدد البنك المركزي الإسرائيلي ووضع العقبات وغياب الكثير من الوحدات النقدية؛ تسببت بوجود مشاكل في هيكلية النظام المصرفي الفلسطيني، مشيراً إلى ضرورة ايجاد بديل للتحرر من القيول الاقتصادية الاسرائيلية المفروضة.

وبشأن مدى واقعية اصدار عملة فلسطينية خاصة علق بكر قائلاً "يحكم الأمر مجموعة من المعايير، وهناك اتفاقيات سياسية يجب أن تتم مع أكثر من جهة في حال صدور القرار، فيجب التنسيق مع الاردن كون أن هناك كمية كبيرة من الدينار موجود في الاسواق الفلسطينية، وسحبه قد يؤثر سلباً على الاقتصاد الاردني" وتابع موضحاً: "الاتفاقيات تنص على ضرورة التنسيق الكامل مع الاردن و(اسرائيل) يجب أن تعطى الموافقة ،كما أن ربط العملة بالدولار الأمريكي يحتاج إلى تنيسق مع واشنطن".

وبين بكر أن هناك مقومات يجب أن تتوفر أيضاً لإصدار عملة فلسطينية، من بينها وجود سيادة فلسطينية على الحدود والمعابر، وهذا يحتاج الى تحركات سياسية أكثر من التحركات الاقتصادية؛ لأنه لا يمكن الحديث عن قرارات اقتصادية بمعزل عن السياسة. 

يشار إلى أن محافظ سلطة النقد عزام الشوا كشف مؤخراً عن نية تحويل سلطة النقد الفلسطينية إلى بنك مركزي خلال الفترة المقبلة، وقال الشوا، إن انشاء بنك مركزي كامل الصلاحيات في فلسطين  بات في مراحله الاخيرة.

و"البنك المركزي" هو مؤسسة نقدية اقتصادية مستقلة إداريا ومالياً عن الحكومة، لكنها تنفذ السياسة العامة للدولة. ويُعتبر البنك المركزي مستشار الحكومة المالي والنقدي، وبنك البنوك، وله دور كبير في تحقيق الاستقرار النقدي والتنمية.

بدوره، قال المُختص في الشأن الاقتصادي عبد الفتاح أحمد : "إن سلطة النقد ووفق اتفاقية أوسلو يُسمح لها بالقيام بكافة وظائف البنك المركزي، باستثناء اصدار عملة فلسطينية، وبالتالي فإن التحول لبنك مركزي دون العملة لن يضيف شيئاً".

وأشار أحمد إلى أن اتفاقية أوسلو لا تمنع السلطة الفلسطينية من إصدار عملتها الخاصة، لكن شروط الاصدار غير متوفرة، نظراً لنقص السيادة الفلسطينية على المعابر، وضعف الموارد الإنتاجية، معتبراً أن "تنفيذ تلك الخطوة على أرض الواقع هو تمرد حقيقي من السلطة على اتفاق باريس الاقتصادي، والبدء بها رسميًا سيكون له نتائج إيجابية ولمصلحة الفلسطينيين، وسيصيب الاقتصاد الإسرائيلي بضربة موجعة، لأنه المتحكم بالعملات الثلاثة الشيكل والدولار والدينار". 

وأوضح أن "الظروف الاقتصادية الصعبة في قطاع غزة والضفة الغربية، وتحكم الاحتلال في كل الموارد المالية التابعة للسلطة، ومنعه لدخول العملات لقطاع غزة، إضافة لعدم وجود توافق سياسي مع السلطة، سيكون عقبة كبيرة تعيق استبدال الشيكل بأي عملة بديلة، ولكن هذه الخطوة قد تنجح في حال توفر القرار والدعم المالي". 

وبحسب الاتفاقيات الموقعة مع الجانب الإسرائيلي، يتعامل الاحتلال مع الجانب الفلسطيني بعملة الشيكل عند الشراء منهم، ويرفض التعامل بالدولار، وهذا يشجع أكثر على الاستغناء عن تلك العملة، والبحث عن بديل، وعانت الأراضي الفلسطينية في الفترة الأخيرة من شحّ في العملات، وخاصة الدولار؛ نتيجة عدم وجود بنك مركزي فلسطيني، وتحكم "إسرائيل" في توريد العملات. 

والجنيه الفلسطيني كان عملة معتمدة وقد صدرت عن مجلس فلسطين للنقد (Palestine Currency Board) الذي كان تابعًا لوزارة المستعمرات البريطانية، وكان الجنيه الفلسطيني العملة الرسمية الشرعية في مناطق الانتداب البريطاني على فلسطين وإمارة شرق الأردن، ما بين عامي 1927-1948.

وحل الجنيه الفلسطيني محل الجنيه المصري الذي تم التعامل به في منطقتي فلسطين وشرق الأردن منذ احتلهما الجيش البريطاني من الدولة العثمانية عام 1917، وحتى قرار السلطات البريطانية بإصدار عملة خاصة بهاتين المنطقتين في 1927. 

وتعادلت القيمة الشرائية للجنيه الفلسطيني بالجنيه الإسترليني البريطاني ، حتى أطلق بعض الناس اسم "شيلينغ" على القطعة النقدية بقيمة 50 مل، إذ ساوت قيمته قيمة الشيلينغ البريطاني (ألغي تقسيم الجنيه الإسترليني إلى 20 شيلينغًا في 1971).