أسدل الجيش العربي السوري اليوم الستار على مرحلة التهديد والتصدي المحسوب، وافتتح بإسقاط الطائرة الإسرائيلية مرحلة جديدة من المواجهة، "دمشق" التي وقفت برفقة حلفائها في تدشين المرحلة الجديدة، كانت تدرك بلا شك، بأن الاحتمالات التي يمكن أن يصنعها حدثٌ كهذا هما اثنين لا ثالث لهما، فإمّا الوصول لحرب  إقليمية مفتوحة، ميدانها سوريا أو لبنان، أو، رسم خطوط حمراء جديدة في المنطقة ستكون (إسرائيل) "مُجبرة" على الالتزام بها وفق ما يرى مراقبون.

هذا التطور الميداني الذي وُصف بـ "بالجريء" هو التطبيق الفعلي لتهديد الرئيس السوري بشار الأسد، والاختبار الإسرائيلي الذي مني بفشل ذريع؛ بعدما أظهرت (إسرائيل) أنها لا ترغب بالتصعيد، رغم أنه مازال الباب الميداني مفتوحاً أمام إمكانية الذهاب لحرب، لكن  كبار ضباط الجيش الإسرائيلي وهيئة الأركان الذين شاركوا في اجتماع طارئ في قاعة "البئر أو الملجأ" عقب الدقائق الأولى من الحادثة، عادوا بالتأكيد إلى المحددات والمعايير التي ألزمت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بها عقب حرب العام 2006 مع حزب الله، وهي عدم الانجرار لحرب تفرضها وقائع الميدان تحت أي ظرف، فضلاً عن ضرورة تحديد الأهداف الاستراتيجية لأي عملية عسكرية على نحوٍ يسبق بداية الحرب وليس خلالها.

وقد لفت مراسل الجزيرة الياس كرام إلى أن "الملجأ" هي القاعة التي تعقد بها اجتماعات قيادة العمليات الخاصة وتعد لإدارة العمليات الدقيقة والخطيرة خارج حدود (إسرائيل) وتستخدم في أوقات الحرب، مبيناً أن عقد الاجتماع في هذا المكان "ربما له مدلولات خطيرة من وجهة النظر الإسرائيلية، وأن القيادات العسكرية الإسرائيلية في حالة الحرب.

من جهته كتب المحلل العسكري في موقع "واللا" الإلكتروني، أمير بوحبوط، إنه " في حال كان الحديث عن إصابة مباشرة للطائرة الحربية الإسرائيلية، فإن الحديث يكون عن واقعة لم تحصل منذ عشرات السنين، وهي تشير إلى شرخ في التفوق العسكري للجيش الإسرائيلي، بما يتطلب تحقيقا معمقا لفحص حقيقة ما حصل، خاصة وأن الحديث عن طائرات تحتوي على منظومات متطورة جدا".

وحتى وإن بدا أن هذه المعطيات تفيد بإقدام (إسرائيل) حول نقطة المواجهة، إلا أن مراقبون يعتقدون أن الرد الإسرائيلي سيكون بالشكل المحدود.

 هنا، يقول المحلل السياسي إيهاب زكي أن :" الصاروخ السوري أصاب حقيبة وزير الخارجية الأمريكي "تيلرسون" المتخمة بالتهديدات "الإسرائيلية" إلى لبنان، وأصاب الطيران الأمريكي والوجود الأمريكي في سوريا بلوثة الانتظار، انتظار متى تقرر القيادة السورية دق ساعة الاستهداف، وأصاب كذلك الأطماع التركية، والأهم أنّه أصاب رمز القوة والتفوق "الإسرائيلي"، فإذا كانت تعد للمئة قبل الآن، فستعد للألف قبل الإقدام على أي عدوان".

وتعد هذه المرة الأولى التي تتمكن فيها دفاعات جوية سورية من إسقاط طائرة حربية إسرائيلية، بعد أن نفذت تل أبيب أكثر من 26 هجوما داخل سوريا منذ عام 2013، كان آخرها قبل أيام، عندما قصفت طائرات إسرائيلية مجمع البحوث العلمية بريف دمشق.

 ويتفق أنور رجا  مسؤول الإعلام المركزي في الجبهة الشعبية - القيادة العامة-  مع "زكي"، إذ يرى أن  الرد الإسرائيلي على إسقاط الطائرة سيكون محدود، فلا يتوقع الرجل وصول المنطقة لـ حرب شاملة أو إقليمية كبيرة.  معتقداً أنه إذا وقفت الأمور عن هذا الحد فسيكون الانتصار لصالح محور المقاومة؛ إذ أنه اعتراف بواقعية وجود إيران في سوريا بعد أن باتت على بعد سبعة كيلومترات فقط من الجولان المحتل.

بالعودة إلى بداية الشهر المنصرم، حيث تحدث المحلل العسكري في صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية أليكس فيشمان،  قائلاً إن على الإسرائيليين أن يعرفوا أن بلادهم تخوض مواجهة عسكرية وصفها بـ "المنضبطة" ضد منظومة عسكرية إيرانية آخذة بالاستقرار في سوريا. لافتا إلى أن (إسرائيل) ترصد سعي إيران لإقامة قواعد جوية وبحرية وبرية في سوريا للقيام بعمليات عسكرية ضد إسرائيل.

ويشير فيشمان إلى أن إسرائيل تعتبر توسيع النفوذ الإيراني في سوريا بمثابة إعلان حرب عليها، وأنه في حال لم يكن الروس والأميركيون قادرين أو راغبين بمنع ذلك بطرق دبلوماسية، "فإنه على ما يبدو لم يبق أمام إسرائيل سوى أن تعمل بنفسها".

هذه الرؤى كان من الممكن أن تؤخذ على محمل الواقعية، لكن الميدان هو فقط من يضمن الجهة التي يمكن أن تحافظ على ماء وجهها، فالناتج المبدئي من هذه الحادثة  أولا، هو انتهاء حقبة سياسة السماء المفتوحة لطائرات الحرب الإسرائيلية، ثانيا: فشل إسرائيلي في رسم خطوط حمراء للحدود من التمدد الإيراني في المنطقة، ثالثا: الشرق الأوسط الجديد التي تسعى إليه أمريكا و(إسرائيل) سيصطدم بجدار إيراني سوري لبناني فلسطيني، وربما يدلل رفع الجناح العسكرية لحركة حماس لدرجة الاستنفار والجهوزية في وحداتها للتصدي لأي عدوان إسرائيلي على شعبنا بالتزامن مع الأحداث السورية، على بداية عهد جديد من التنسيق بين أطراف محور المقاومة.