على وقع التوترات الأمنية والتطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة وتصاعد أعمدة الدخان على الجبهة الشمالية، ووسط استمرار العملية العسكرية والأمنية الشاملة التي تنفذها القوات المسلحة المصرية في سيناء، وفي ظل تواجد وفديّ حركتي "فتح" و"حماس" في القاهرة، وتوجه الرئيس محمود عباس شرقاً للبحث عن وسيط روسي لعملية السلام بديلاً عن أميركا، وصل وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون، أمس إلى مطار القاهرة الدولى، الذى يزور مصر لمدة يومين فى مستهل جولة له بالمنطقة تستثنى زيارة الأراضى الفلسطينية المحتلة وتشمل 4 دول أخرى وهى "الأردن ولبنان والكويت وتركيا".

وعلى الرغم من أن زيارة تيلرسون مخطط لها مسبقاً والتي تأتى بعد نحو ثلاثة أسابيع على زيارة نائب الرئيس الأميركي مايك بنس، إلا أن ثمة ما يثير الكثير من التساؤلات حول توقيت الزيارة في ظل وجود وفدي حركتي "فتح" و"حماس" التي يترأس وفدها رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" اسماعيل هنية الذي أدرجته وزارة الخزانة الأميركية مؤخراً على قائمة "الارهاب".

ففي عالم السياسة لا توجد صدف وأقدار، إذ يرى مراقبون أن كافة التحركات السياسية التي تشهدها المنطقة تأتى في إطار منظومة متكاملة ومدروسة ولا يمكن تجزئتها وهي مرتبطة فيما بات يعرف بـ "صفقة القرن" التي تسعى الإدارة الأميركية لفرضها في المنطقة سعياً منها لتصفية القضية الفلسطينية في إطار حل نهائي وشامل.

وتتناول مباحثات تيلرسون في القاهرة وفق مصادر دبلوماسية مصرية وأميركية، العلاقات الثنائية بين البلدين وملفات الصراع في المنطقة خاصة القضية الفلسطينية وملفات الأزمات السورية والليبية ومكافحة الإرهاب خاصةً بعد إدراج الخارجية الأميركية تنظيمي " حسم " و " لواء الثورة" المرتبطين بتنظيم الإخوان في مصر على قائمة التنظيمات الإرهابية وهو ما رحبت به مصر.

ويرى الباحث الاستراتيجي والمحلل السياسي المصري فهمي هويدي، أن زيارة تيلرسون تأتى للقاهرة في مشهد سياسي ملتبس في مصر بسبب التحضير للانتخابات الرئاسية، وهو ما يعبر عن المشهد الملتبس والمضطرب.

وأوضح هويدى في حديثه لـ "نبأ برس" أن، الرياح السياسية تتحرك باتجاهات متناقضة في وقت واحد، وأن ما يحدث يمكن تفسيره ضمن نطاق فكرة الاضطراب في السلوك السياسي وأن كل شيئ أصبح وارد.

وبشأن استقبال المخابرات المصرية لرئيس المكتب السياسي لحماس المدرج على قائمة "الارهاب" الأمريكية، علق هويدى قائلاً  "الإدراج في قائمة الارهاب ليس مأخوذ على محمل جد، المشهد السياسي يدلل على أن ذلك فيه من التخويف والترهيب أكثر من الفعالية والحزم".

وبشأن تزامن زيارة تيلرسون مع وجود وفدي "حماس" و"فتح" بالقاهرة، علق هويدى قائلاً "لا أتصور أن لا علاقة بين هذه الأحداث وليست مصادفة وهناك شيئ يطبخ بعيداً عن الأعين ونشم رائحته ولا نرى معالمه وهو مرتبط بما يعرف بصفقة القرن".

وتابع هويدى قائلاً :"لا أشك في أن الأميركان ينسجون ما يطبخونه بالتعاون مع العواصم العربية وهو أمر لا يبعث على الطمأنينة مطلقاً".

بدوره، قال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق الدكتور عبد الله الأشعل، إن زيارة تيلرسون تأتى في سياق متابعة تنفيذ "صفقة القرن" الهادفة لتصفية القضية الفلسطينية والتي يقف على رأسها من الدول العربية مصر والسعودية.

وقال الأشعل في حديثه لـ "نبأ برس"، إن زيارة وزير الخارجية الأميركي بالتزامن مع وجود وفدي "حماس" و "فتح"، وعلى الرغم من التخطيط المسبق لها إلا أنها تثير الشبهات وتضع الكثير من التساؤلات، مضيفاً "إذا كان هناك تنسيق ضمني مسبق وحتى بدون علم حماس وفتح فإن ذلك سيكون كارثة".

وتساءل الأشعل :"هل القيادة المصرية طلبت حماس لكي تتفهم فكرة توسيع غزة لسيناء وتتشارو معها بشأن ذلك، أم أن حماس اتخذت موقف مضاد لهذه الفكرة التي تؤدى إلى انهاء القضية الفلسطينية؟".

وتعقيباً على البيان الذي أصدرته الهيئة العامة للاستعلامات في مصر، مساء أمس، وأكدت فيه أن العملية الأمنية الشاملة "سيناء 2018" لا تستهدف إخلاء منطقة شمال سيناء، أو توطين الفلسطينيين فيها"، علق الأشعل قائلاً "إن التصريحات المصرية غامضة ولا تطمئن المصريين وتجافى الواقع، وما يجرى في سيناء يأتى في إطار رؤية سياسية متكاملة لتنفيذ "صفقة القرن" وتصفية القضية الفلسطينية.

من جهته، قال المفكر والأكاديمي الفلسطيني  إبراهيم أبراش، إن الجيش المصري يوسع عملياته الحربية ضد الجماعات المسلحة في سيناء ، كما أن التنسيق مع حركة حماس سياسيا وعسكريا تزايد في الفترة الأخيرة وخصوصا بعد تكفير "داعش" لحركة حماس واعتبارها عدواً ، وفي نفس الوقت تتعثر المصالحة.

وأضاف أبراش في تلميح لجولة وزير خارجية ترامب الشرق أوسطية "كل ذلك يتزامن مع تحركات سياسية خفية تجري على قدم وساق لتهيئة الأوضاع لصفقة القرن ، فهل سيؤدي توسيع العمليات الحربية في سيناء لدخول الجيش المصري لمناطق في قطاع غزة بتنسيق مع حركة حماس مما يفرض أمرا واقعا يؤدي لخلط الاوراق؟.

ووفق تلك المعطيات وفي ظل تأكيد الخارجية المصرية على مضيها في تحقيق المصالحة التي تحظى بغطاء أميركي يمكن القول أن المصالحة ناجزة على الرغم من بعض الأدوار التى تمارسها بعض الأطراف الفلسطينية بشأن الحديث عن نجاح وفشل المصالحة إلا أن الثابت في الأمر أن المصالحة ستنجز على مراحل بطيئة حيث ستشهد خلال الفترة القريبة تقدم في ملفات متعددة من بينها ملف دمج الموظفين، كما يمكن القول إن قفز السلطة للحديث عن اصدار عملة وطنية وبنك مركزي فلسطيني لتصديره لاحقاً على انه انجاز وطني والذي لا يمكن أن يأتى إلا في ظل حل نهائي واقامة دولة فلسطينية ذات حدود وسيادة وهو ما تعلم به السلطة التي بدأت قبيل ترامب بتنفيذ "صفقة القرن" من خلال العقوبات التي فرضتها على موظفى السلطة بغزة، ما فتح شهية ترامب لاحقاً لتقليص المساعدات "للاونروا" وما قد يتبعها اسرائيلياً  بوقف رواتب أهالى الشهداء والاسرى.