تسعى (إسرائيل) إلى التخفيف من وقع صدمة إسقاط المضادات السورية للمقاتلة الحربية الاسرائيلية "اف 16"، وذلك من خلال إرجاع عامل سقوطها إلى خطأ تقني إثر استغلال نقطة ضعف في الطريقة التي عمل من خلالها طاقم الطائرة، بعد قصف أهدافاً داخل الأراضي السورية، وذلك عقب إعلان جيش الاحتلال اعتراض طائرة بدون طيار قال إنها إيرانية بدعوى اختراقها "الأجواء الإسرائيلية".

وعّبرت وسائل إعلام إسرائيلية عن وجود مخاوف على التفوق الإسرائيلي الجوي في المنطقة، وقال موقع "the times of Israel" إنه فيما "طور سلاح الجو الإسرائيلي سمعة تفوقه جوا في المنطقة، جاء حادث يوم السبت لتحذير العديد من خبراء الدفاع الإسرائيليين في السنوات الأخيرة (بأنه) لا يوجد نظام عسكري مثالي لا يمكن هزيمته". وأشار الموقع الإخباري الإسرائيلي إلى أن "طائرات اف-16 واف-15 المتطورة متفوقة جدا على أنظمة الدفاع الجوي الروسية القديمة بالإضافة إلى طائرات اف-35 الخفية، والتي بدأ تشغيلها في شهر ديسمبر – ولكن هذا التفوق ليس مطلقا".

وأظهرت تحقيقات سلاح الجو الإسرائيلي، أن طاقم الطائرة من طراز "إف 16"، التي أصيبت بصواريخ أطلقتها المضادات السورية، لم يتمكن من تنفيذ "مناورة الهرب"، وأشارت التحقيقات إلى أن الدفاعات الجوية السورية أطلقت أكثر من 20 صاروخًا على الطائرات الإسرائيلية، وهو رقم كبير بشكل غير اعتيادي. وأثبت التحقيق أنه عندما أصبح الصاروخ قريبا بما يكفي من الطائرة، قفز الطيار والملاح المرافق منها.

وبعيداً عن الدعاية الإسرائيلية التي حاولت، ولا تزال، تقليص صورة الانكسار وتداعياتها، وما يمثله سلاح الجو الاسرائيلي الذي يعتبر العمود الفقري لدى (اسرائيل) والذي تفاخرت فيه على مدار العقود الزمنية الماضية، إلا أن معادلة إسقاط الطائرة أرست قواعد لعبة جديدة في المنطقة مفادها بأن لا ضمانات لتحليق مقاتلاتها بأمان فوق سوريا ولبنان وفلسطين في حال وقوع أي حرب، باتت "تل أبيب" هي أكثر الراغبين لتجنبها. وفق تقديرات خبراء عسكريين.

وعلى هذا الأساس صار أمام صناع القرار في "تل أبيب التعايش مع الهاجس الأكبر بعد أن سقطت أحد أهم أجزاء اللعبة التي استطاعت أن تكون عنصر حاسم في الحروب بالمنطقة، مستغلةً بذلك جزءاً لا يتجزأ من من العقيدة الإسرائيلية التي تعتمد على التفوق بالترهيب للحفاظ على الهالة والمكانة التي تضمن لها اخضاع الشارع العربي لفكرة التفوق العسكري الإسرائيلي.

وفي ذلك، يرى الخبير في الشؤون العسكرية والإستراتيجية عمر معربوني، أن قيادة الكيان الصهيوني ستذهب باتجاه التقليل من النتائج التي حصلت في أعقاب اسقاط الطائرة الحربية وتفتش عن ذرائع وأسباب لتقلل من فاعلية الدفاع الجوي السوري.

وأوضح معربوني في حديثه لـ "نبأ برس" أن، سلاح الجو الصهيوني بات منذ حوالى 8 أشهر يستخدم المجال الجوي اللبناني والفلسطيني لقصف اهداف داخل سوريا، علماً أن معظم الصواريخ التي أطلقت تم اسقاطها.

وتابع قائلاً "في المواجهة الشاملة أصبح لدى الدفاع الجوي السوري القدرة لاستهداف سلاح الجو الصهيوني، وذلك يأتى استكمالاً لكسر المقاومة اللبنانية لهيبة أسطورة الميركافا، وتدمير بارجة "ساعر5" الحربية، ما يعنى كسر قواعد الاحتلال الجوية والبحرية والبرية.

وبين معربوني أن محور المقاومة بات أمام مرحلة كسر قوة الردع الصهيونية، وفي المواجهة المقبلة يمكن القول أن قدرة سلاح الجو ولت إلى غير رجعة، مشيراً إلى أن محور المقاومة بات يمتلك خط امداد بري استراتيجي يصل من طهران مروراً ببغداد ودمشق ووصولاً إلى العراق.

ولفت معربوني إلى أن القيادة الاسرائيلية ستعمل خلال المرحلة الحالية والمقبلة على استعادة الاعتبار لسلاح الجو كذراع طويلة استخدمته (إسرائيل) في كل حروبها لمواجهة العرب، وهذا يجب أن ينظر إليه انطلاقاُ من قواعد الصراع الأساسية.

من جهته، اعتبر المحلل السياسي اللبناني حسام مطر، أن الاحتلال يريد أن ينزع عن الطرف الآخر صورة الانتصار ويحاول أن يؤكد أنه لا زال يمتلك التفوق الجوي الساحق، وأن أعداؤه لا يمتلكون الامكانية والتقنية التي يمكن أن تؤثر على هذا السلاح باعتباره جوهر القوة الاسرائيلية وعنصر التفوق الحاسم بالنسبة للصهاينة.

وأوضح مطر في حديثه لـ "نبأ برس"، أن جيش الاحتلال يريد أن يحافظ على صورة قوته الجوية، باعتبارها عنصر التفوق الحاسم، ما يعنى أن أي خدش لتلك القوة يعنى اختلال في موازين القوى وتحجيم للقدرة الاسرائيلية، ولذا يفضل الإسرائيليين تصوير اسقاط الطائرة على أنه حادث تقني لسحب صورة الانتصار والانجاز من الدولة السورية وحلفاؤها.

وفيما يتعلق بتصريحات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أمس، والتي قال فيها إن "القوات الإسرائيلية ستواصل العمليات في سوريا رغم إسقاط طائرة حربية إسرائيلية" علق مطر قائلاً "لن يقبل الإسرائيليين بشكل مباشر وسريع تداعيات اسقاط الطائرة، وسيحاولون التأكيد على أن ما جرى هو أمر عابر وغير ثابت وأن المعادلة التي كانت قائمة ما زالت ثابتة بشان حرية الحركة في سوريا والقدرة على الضرب وأن لديهم هذا الهامش وأن قاعدة الاشتباك هذه ما زالت قائمة".

وتوقع المحلل مطر أن تشهد الفترة المقبلة المزيد من اختبارات القوة والاحتكاكات والاشتباكات إلى حين أن يكتشف الطرفين قوتهما لترسيخ قواعد الاشتباك، مبيناً أن الاسرائيليين لن يقبلوا بسهولة تغيير المعادلة القائمة خاصةً وأنهم مردوعون في الجبهة اللبنانية وإن تم ردعهم على الجبهة السورية يعنى تكبيل قاسى جداً للدور الاسرائيلي ما يشكل خطر كبير على مستقبل (إسرائيل) خاصةً في ظل تعاظم دور محور المقاومة في سوريا.

وبشأن تحذير الخارجية اللبنانية للاحتلال من استخدام أجواءها لشن هجمات على سوريا، علق مطر قائلاً :"الموقف الدبلوماسي يكمل عناصر القوة اللبنانية التي تستند إلى قوة المقاومة والجيش لتأمين مظلة سياسية جامعة يجعل من الممكن تعزيز الردع بوجه إسرائيل ويجعلها أكثر تردداً في تنفيذ أي عدوان تجاه لبنان".

وفيما يبدو، فإن (إسرائيل) لن تقبل فرض معادلة جديدة عليها وأن يُجرح كبرياؤها المتمثل بسلاح الجو، بل سيدفعها غرورها إلى تنفيذ هجمات جديدة من خلال سلاح الجو لكي تثبت أنها ما زالت متفوقة وأن سلاح جوها خارج كل المعادلات وهو ما أكده "نتنياهو" أمس بالقول إن "القوات الإسرائيلية ستواصل العمليات في سوريا رغم إسقاط طائرة حربية إسرائيلية"، إلا أن المعادلة الاستراتيجية الجديدة التي أعلن عنها وبكل وضوح محور المقاومة بأن زمن المعادلات القديمة انتهى، ستُفاجئ (إسرائيل) مجدداً وتربك حساباته.