صورة طائرة الإف 16 الإسرائيلية وهي تحترق صورة جميلة ومُفرحة لكل مسلم وعربي وحر ولكنها صورة ناقصة لا تُعبّر عن اكتمال المشهد الذي سبقه عشرات المشاهد لغارات إسرائيلية على سوريا عادت فيها الطائرات المُغيرة إلى قواعدها بسلام بعد تحقيق أهدافها العدوانية، وبسقوط الطائرة الإسرائيلية وبصورتها المُحترقة يُمكن القول أن الصورة خلاص اكتملت والمشهد قد وصل إلى نهايته الطبيعية بالتصدي للعدوان ومعاقبته والمطلوب ممارسة ذلك كنهج ثابت واستراتيجية مستمرة وليس لمرة واحدة، بل وتجاوز ذلك إلى سياسة الرد بالمثل بضرب العمق الإسرائيلي والتخلّص نهائياً من سياسة « الاحتفاظ بحق الرد في الزمان والمكان  المناسبين» وهي كلمة السر لعدم الرد. ولكي يتضح المشهد أكثر ويُرتب ألبوم الصور منطقياً من المفيد العودة إلى بعض صور الحرب في سوريا وعليها.
عندما كانت المعارضة السورية المُسلّحة ومعها كل رعاع الأرض تُهاجم قواعد الدفاع الجوي التابعة للجيش العربي السوري بطريقة منهجية متواصلة على مدار سنوات (الثورة) وتقوم بتدميرها وإبادة بطاريات الصواريخ المضادة للطائرات، وكان السؤال المنطقي المُثار: لماذا يتم تدمير هذه القواعد؟. مع العلم أنها مُخصصة للدفاع عن سوريا بالتصدي للغارات الجوية المُعادية ولا علاقة لها بموازين القوى بين النظام والمعارضة على الأرض، كما أن المعارضة لا تملك طائرات يُمكن أن تسقطها تلك الصواريخ، كما أن تدميرها لن يُساهم في التخلّص من الاستبداد والفساد أو التحوّل نحو الحرية والإصلاح، وهي فوق ذلك قوة للدولة السورية سواء استمر النظام في الحكم أو استولت المعارضة على السلطة.
هذا التساؤل يقودنا إلى البحث عن الهدف الحقيقي لقيام المعارضة السورية المُسلّحة بتدمير قواعد الدفاع الجوي السورية، والبحث عن الهدف يقودنا بدوره إلى البحث عن الدافع لارتكاب الجريمة والمستفيد منها... وفي هذه الحالة سيكون الطرف الذي يريد إخلاء السماء السورية من أي تهديد يمنعه من ممارسة عدوانه المتكرر على الأراضي السورية... ولا شك في أن هذا الطرف هو (إسرائيل) التي لديها مصلحة واضحة في تدمير قواعد الدفاع الجوي السورية بل وتدمير الدولة السورية وتفكيكها لإضعاف محور ومشروع المقاومة المهدد الوحيد لأمن ووجود دولة الاحتلال والعدوان، وما يؤكد ذلك ارتباط فصائل المعارضة السورية المسلحة مالياً وسياسياً بدول إقليمية مرتبطة بتحالفات علنية أو سرية بالكيان الصهيوني وفي مقدمتها تركيا والسعودية وقطر، التي تتزعم دعم المعارضة والإشراف عليها وتوجيهها نحو أهداف لا علاقة لها بمطالب الشعب السوري العادلة.
وتكرار الغارات الإسرائيلية الجوية العدوانية على سوريا ليس مرتبطاً فقط بتدمير المعارضة لقواعد الدفاع الجوي السورية وعدم قدرة الجيش السوري على تجميع قواته المنتشرة في كل الجغرافية السورية في جبهة واحدة أمام العدو فيما لو تطورت الأمور نحو الحرب، بل بعدم رد سوريا على الغارة الإسرائيلية الأولى التي بدأت حتى قبل اندلاع (الثورة السورية) عام 2011، وبالتحديد عام 2007 عندما هاجمت الطائرات الإسرائيلية دير الزور ودمرت موقعاً يُعتقد أنه بداية لمشروع مفاعل نووي سوري، فلو ردت سوريا على تلك الغارة الأولى لما تجرأت (إسرائيل) على تكرارها، وإذا كررتها مع استمرار الرد لما زادت عن غارتين أو ثلاث على الأكثر؛ ذلك بأنها لا تفهم إلا لغة القوة، ومعادلة الردع المتبادل وتوازن الرعب حتى مع فارق القوة المسلحة الهائل أسوة بالمقاومتين: اللبنانية والفلسطينية.
وخُلاصة الأمر إذا تم تثبيت صورة الطائرات الإسرائيلية المحترقة في الوعي واللاوعي الإسرائيلي بتكرار الصورة مع كل غارة جوية إسرائيلية في عملية كي للوعي المشبع بالإحساس الوهمي بالتفوّق والقوة؛ فهذا لا شك سيكون بداية لمرحلة جديدة تضع حداً لاستباحة الأجواء السورية ونقطة تحوّل لتغيير قواعد الاشتباك ليس فقط بممارسة حق الدفاع عن النفس بوسائل الدفاع الجوي، بل بالذهاب خطوة متقدمة إلى الأمام نحو ترسيخ معادلة توازن الردع التي تمنع العدو من الاعتداء بدايةً وتُعاقبه إذا اعتدى.