ينطبق المثل الشعبي " قمحة ولا شعيرة" على صيغة السؤال التي يمكن أن يطرح على الوفود الفصائلية التي زارات القاهرة خلال الأشهر الماضية، خصوصاً أن النتائج كلها كانت "صفرية" على أرض الواقع، قياساً بقدر التفاؤل التي كانت تعكسه التصريحات الإعلامية.

هذه المرة تكتسب زيارة وفد حماس  إلى العاصمة المصرية القاهرة حضوراً وزخماً كبيرين، فهي الزيارة الأطول من بين الزيارات التي أعيد استئنافها عقب عزل الرئيس الإخواني محمد مرسى،  والأكثر حضوراً وزخماً على المستوى القيادي، فضلاً عن التوقيت الحساس الذي حدثت فيه، مع تصاعد العمليات الأمنية في سيناء، وتعثر عجلة المصالحة الوطنية، وبالتزامن مع سباق الإدارة الأمريكية للزمن في فرض "صفقة القرن".

ويواصل وفد "حماس" زيارته للقاهرة لليوم العاشر على التوالي، وقد تخللها عدة لقاءات مع مدير جهاز المخابرات المصرية اللواء عباس كامل، ووفد من تيار فتح الاصلاحي التابع للنائب محمد دحلان.

وفي الوقت الذي لم ترشح فيه معلومات عن نتائج المباحثات التي تتسم بالضبابية في القاهرة، انضم وفد آخر من قيادة حماس في الخارج، أمس، لوفد الحركة الذي غادر القطاع برئاسة رئيس المكتب السياسي إسماعيل هنية، وبرفقة خليل الحية وروحي مشتهي وفتحي حماد.

واللافت في بيان "حماس" هو تسلسل ترتيب الملفات التي يتم بحثها، حيث كان من الواضح أن الحركة قدمت في بيانها بحث التطورات السياسية والأوضاع في قطاع غزة على ملف المصالحة، إذ يرى مراقبون أن ذلك يشير إلى أن ملفات سياسية "معمقة" مطروحة على طاولة المباحثات مع جهاز المخابرات المصرية، كما يدلل على أن ملف المصالحة ثانوياً خاصةً في ظل الهجوم المتكرر من قبل حركة "فتح" والذي يقوده عضو لجنتها المركزية جبريل الرجوب على الدور المصري في المصالحة.

وفي محاولة لتوضيح حدود التفاوض، أكد عضو المكتب السياسي لحركة "حماس" خليل الحية في تصريحات صحفية لصحيفة "الشروق" المصرية أنه :"لا يمكن أن نفكر أن تتمدد فلسطين أو غزة على حساب أى دولة أخرى" فيما تثبت تصريحات "الحية" ما يشاع عن تفاهمات مع تيار دحلان بقوله لذات الصحيفة: " قضية دحلان أزمة داخلية فى حركة فتح، وهو (أي دحلان) أحد رجالات فلسطين، ونحن هنا نشكره لجلب مساعدات لأهل القطاع، كما نشكر دولة الإمارات التى قامت بدفع الأموال".

ويطرح انضمام وفد حمساوي آخر العديد من التساؤلات والتكهنات حول طبيعة الملفات التى يتم بحثها مع جهاز المخابرات المصرية والتي وصفها بيان "حماس" بـ "المعمقة"، وفي ذلك يرى الكاتب والمحلل السياسي حسام الدجني أن انضمام وفد من "حماس" الخارج يدلل على أن الزيارة ناجحة إلى حد ما، كما يؤكد أن وفد "حماس" لا يتعرض لضغوط كما يُشاع، وأن قدوم وفد من الخارج يدلل على أن هناك اجتماعات يعقدها "هنية" مع أركان المكتب السياسي لمناقشة قضايا هامة ومصيرية مرتبطة بالتفاهمات التي جرت بين مصر وحركة "حماس".

وأوضح الدجني في حديثه لـ "نبأ برس"، أن تلاقى وفدين من حركة "حماس" في القاهرة يدلل على محورية الدور المصري، بحيث أن "حماس" تعقد بجزء كبير من مكتبها السياسي اجتماعاً في القاهرة، وهو ما يُدلل على أن "حماس" لديها أمر هام وحساس.



ويرى مراقبون أن المسؤولين المصريين يعملون لبلورة اتفاق سياسي وأمني شامل مع قيادة حركة "حماس"، خاصةً في ظل ضغط عامل الزمن حيث تتجه الأنظار للانتخابات الرئاسية المصرية المزمع عقدها من 26 إلى 28 مارس 2018، وإعلان وزير الخارجية الأميركي خلال جولته الأخيرة في المنطقة، أن "خطة السلام في المنطقة التي تعكف الإدارة الأميركية على صياغتها باتت في مراحل متقدمة جدًا".، إضافة إلى زيارة رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى واشنطن للقاء الرئيس الأميركى دونالد ترامب في 5 مارس المقبل.

وبالعودة للـ " الدجني" الذي لفت إلى أن تعثّر انجاز المصالحة قد يدفع حماس للجوء إلى خيارات بديلة، مبيناً أن عنوان الفشل والنجاح للخيارات البديلة مرتبط بمصر، بحكم الجغرافيا السياسية التي تربط غزة بالقاهرة، خاصةً وأن "حماس" تدرك أن أي محاولة لإنقاذ غزة لن تمر إلا عبر مصر.

واعتبر الدجني أن اللقاءات التي أجرتها "حماس" والتي لم تقتصر على التيار الإصلاحي لحركة "فتح"، بل شملت وللمرة الأولى عقد لقاءات مع نخب وأحزاب ليبرالية وعلمانية ونقابات مهنية مصرية، تدلل على أن زيارة "حماس" ناجحة وفاعلة، إلا أن الدجني استطرد بالقول إن "المواطن لا ينتظر نجاحات عبر الاعلام، ولكنه ينتظر خطوات ملموسة على الأرض مثل فتح معبر رفح وانهاء ملف المدرجين الأمنيين وادخال البضائع وانهاء الارهاب في سيناء والتفرغ للتنمية التي ستنعكس على مصر وغزة، وتحصين الجبهة المصرية الفلسطينية لافشال صفقة القرن التي تأخذ حيزاً كبيراً في حوارات القاهرة والتي ستكون على حساب الدولة المصرية.