حتى اللحظة، لم يتوقف سيل الآراء المعارضة أو المؤيدة أو حتى الشامتة بخصوص ما حصل في استقبال السفير القطري محمد العمّادي في مجمع دار الشفاء وسط مدينة غزة؛ للإعلان عن تفاصيل منحة الإغاثة القطرية، التي جاء ليقدمها، في الوقت الذي تنشغل فيه حركتي فتح وحماس بترقب ما ستفضي إليه لقاءات القاهرة من نتائجَ سياسية ستحدد خريطة المرحلة المقبلة.

بعيداً عن الجدل السياسي الذي لم يتوقف منذ (أحد عشرة) عاماً مضت، وقف عمال نظافة المستشفيات في غزة منتظرين ما يمكن أن تجود به جيب "العمادي" الذي بدا في السنوات الأخيرة كـ "غودو" في مسرحية "صموئيل بيكت" الذي يقوم بدور (المخلص والمنقذ) الذي ينتظره قومه بانفعال لنجدتهم، لكنه يخذلهم في نهاية الأمر.

وتماماً كما انشغل  قوم "غودو" في مناقشة القشور الحضارية ونسوا القضية الأساس – الجياع والمطحونين-، انشغل رواد مواقع "السوشيال ميديا" بالأمس في تقييم السلوك (بروتوكوليا وذوقياً) فيما لم يلتفت أحدهم لـ عمال البدلات الزرقاء، الذين ينتظرون رواتبهم ( 200$ شهرياً) منذ شهور خلت.

 "هذا ليس حضاري.. أبداً" قال أحد المعلقين على الحدث، وهو يستعرض في صورة "بروفايله" أبدع "بدلاته"، هو، لم يعجبه سلوك الذين وقفوا على قلوبهم أمام سيادة السفير، لكنه، لم يبدِ رأيه أيضاً بقضية توقف رواتب عمال النظافة، كما لم يقترح حلاً منطقياً لهم.

رغم أنه من خارج المنطق أو "المضحك" بتعبير أكثر بلاغة، أن يتنبه أحد لما يسمى " الاحتجاج الحضاري" في غضون هذه المهانة التي يجرّعها الصف " القيادي الفلسطيني" للمواطنين المسحوقين في غزة.

 لم يَسمع كثيراً من المحتجين صرخة أحد العمال الذي وقف وهو يمسح الغبار عن وجهه بكفه، بعد أن دفعه أحد رجال الأمن وأوقعه على الأرض وهو يقول: " بقولونا.. بتعضو الإيد إلي بتطعميكو (..) لهان وصولنا يا عالم، لهان"، فقد كان الاهتمام مصبوب على سماع تفاصيل الإغاثة "إبرة البنج" العاجلة.

كان الترقب بادِ على وجوه "عمال نظافة المشافي"، قبل أن يتحول إلى انفعال مستحق، عندما أنهى "العمادي" تصريحاته،  لكن "العمادي" في حقيقة الأمر غير مطالبٌ بهذا الاستحقاق، في ظل تنكر القيادة الفلسطينية بطرفيها "رام الله وغزة"

لكن  بالحديث عن السلوك، فهو في حقيقة الأمر نتاجاً لمعادلة صنعتها القيادة الفلسطينية، للشعب على أنها " هذا ما يجب أن يكون، الدول العربية مطالبة بدعمنا و توفير طعام اليوم حتى لنا، ونحن على حق بالمطالبة".

 بعد  انتهاء السفير من مؤتمره، سأل معظم العمال " أين رواتب عمال النظافة" ، رد السفير عليهم: "الإغاثة العاجلة لم تشمل رواتب رواتبكم مِن الذين وظفوكم"، جنّ المتأملين، بعد أن علموا أن قضيتهم باتت في هوامش صراع القيادة أولاً، ولم تذكر في ذيل المنة الجديدة ثانياً" ودفعهم جوع أبناءهم، للخروج برد فعل هم يرفضونه أساساً في قرارة أنفسهم، لكنه في الحقيقة، ثمرة المعادلة السابقة، وردة فعل "الغريق" الذي انتظر من ساعات الصباح "قشة العمادي".

قوات الأمن التي  لم تسمح لعقال السفير أن يهتز، التأمت حول الجيب الخاص به، ضربت الفاعلين بالهراوات، وعلق إبان الحدث، أحد قيادات المتخاصمين المتقلدين لكراسيهم منذ "الهجرة النبوية" : "ما حصل من تدافع عبثي، مرفوض".

رفض الجميع تصرف العمال، لكنهم أيضاً لم يذكروا حقوقهم، أي تناقض خاوي يسبح فيه المشهد، من هو المخول إذن في الحديث عن حقوقهم؟ إذا تنكرت "شركات النظافة ذاتها" من فعلتهم ! واعتبروها مخالفةً لوجه التضرع " الحضاري" المعتمد في شحذ عواطف السفراء، ولا صعد غيرهم  ليقول: " لم ننساكم، ونبحث في قضيتكم"،  أي حضارية  ينتظرها هؤلاء من عذاب إنسان لا يجد طعام ابنائه؟.

في نهاية الحدث، كانت دموع المواطنين الذين يحيطون السفير، وصرخات الاستغاثة التي لا يبدو أنها تسللت أساساً من زجاج الجيب إلي أذن " العمادي" الذي بقي عابساً وغاضباً، ترسم وجه غزة الحقيقي، الوجه العاجز، الغائب عن ذهن الساسة، الذين اعترضوا على نتيجة واقع صنعته أيدهم.