دموع الطفلة انعام العطار التي وصلت الى مدينة رام الله للعلاج كانت كفيلة لوليمة من البكاء فقد قطعت قلوبنا تلك الطفلة التي غادرت في اليوم الأول بلا والدتها وهي تبكي فتوقف الزمن لدينا عند صرخة "أريد أمي" التي تحولت الى رمزاً للألم المسال على هذه الأرض بلا توقف.

أية سادية تلك التي تلبست جندي يوقع على تصريح سفرها يتيمة وحيدة بلا أم،  ألم يفكر بتلك البراءة عند خروجها من عملية بهذا الخطر والخوف أن تلك الطفلة بحاجة الى حضن أمها في اللحظة التي تفتح عينها على الحياة من جديد،  ماذا جال بخاطره وهو يسمح لها بالخروج ويتجاهل طلب أمها لولا الحملة التي انتشرت على وسائل الاعلام لتصبح قضية رأي عام لتلتحق بها والدتها في اليوم الثاني.

تلك واحدة من المآسي التي تحدث يومياً بصمت فكثيرون يعانون دون أن تسمح لهم اسرائيل بتلقي العلاج وأحياناً يتم رفض السماح بعبور أطفال مرضى لأسباب أمنية وكثير من النساء من مرضى السرطان أيضاً لا يسمح لهم لأسباب أمنية أي عقل  أي ضمير هذا الذي يتحكم ويحكم على المرضى بالموت البطيء المصاحب للألم دون أن ترف له جفن.؟

نريد وطناً لنتخلص من اسرائيلي يتحكم بغذائنا ودمائنا ودوائنا وهوائنا الذي تعكر لأن مفاتيحه ليست ملكاً لنا،  نريد وطناً لنسافر متى نريد وأين نريد دون سطوة أمن ورقابة دولة أخرى وجيش آخر،  نريد وطناً لنقرر نحن ما نريد فقد تعبنا من كل شيء من السلم دون الحرب ومن الحواجز والمعابر وكوابيسها ومن التصاريح ومن الانتظار وفرح موافقة الاسرائيلي أن نمر مجرد مرور تصوروا أن هذا ذروة حلم لفلسطيني أسيراً بين ثلاثة أسلاك وبحر احتلت أمواجه وتحولت مياهه الى مصائد موت للصيادين.

هل سنستمر هنا في غزة طويلاً تحت رحمة مجندة اسرائيلية تعد  برنامجنا اليومي وما المسموح والممنوع وتقرر لكل واحد هنا ان كان يتم علاجه أو أن يموت دون تصريح وتحدد مستقبل أبناؤنا ان كان يؤذن له للسفر للتعليم ،أن يصبح طبيبا أو سائق تاكسي بجرة قلم وتحدد ماذا نأكل وماذا تلقي لنا عبر معابرنا كقطيع من البشر وضعونا بين هذه الأسلاك فأية حياة وأي موت هذا الذي يتربص بنا بكل هذا الغضب والاذلال وأي شعب يقبل هذه الحياة وأي مسئول فلسطيني لا يخجل من هذا الاذلال اليومي لشعبه مبرراً ذلك باسم الاحتلال.

أية مؤسسات دولية وعربية رأت عيون الطفلة وشفاهها المرتجفة وحشرجة الكلام ولم تهتز كراسيها فهنا الضمير العالمي يبدو أنه يصاب بالعمى فجأة حين يتعلق الأمر بإسرائيل فيما يستنفر من شدة الافاقة عندما يعني دولاً أخرى ويصبح للأخلاق النائمة أيدي وأقدام وطائرات ان لزم الأمر ومصانع أسلحة لكن الفلسطينيين اليتامى كأنهم ليسوا جزء من هذا الكوكب.

ان أول ما يخطر ببال الفلسطيني وهو يتمزق ألماً على بكاء الطفلة انعام العطار عن جدوى تلك المؤسسات الكونية عندما تبدو عاجزة هو سؤال وجودها وجدواها في هذا العالم،  ان حجم الألم الصادر عن تلك الدموع هو الرسالة القوية التي توجه للأمين العام للأمم المتحدة بأن يغلق مؤسسته بلا رجعة وللأمين العام لجامعة الدول العربية أن يعلن افلاسها القومي لأمة عجزت عن علاج طفلة وتركت مصيرها معلق بجندي اسرائيلي ومصير شعب من شعوب هذه الأمة كان قدره أن يواجه وحده أشرس الخصوم.

لكن أكثر في السؤال عن جدوى المؤسسات الفلسطينية والفصائل والقادة أمام هذا الازدحام من الألم في غزة أيعجبهم هذا الذي وصل اليه شعبهم من بؤس حيث لا مستشفى حقيقي في غزة يعفينا من كل هذه المهانة،  ان كان كذلك فلنبارك لهم خطى الانقسام ونحن لنا الله والشعب الجميل في الضفة الذي هب لمجرد نداء استغاثة هو الأمل الوحيد لكسر قيدنا  ..!!

خاص نبـأ برس|| نسمح بإعادة النشر شرط ذكر المصدر.. يُحظر القيام بأي تعديل، تحوير أو تغيير في النص.