"إن المشكلة لا تتمثل في بقاء الإسرائيلي أو رحيله، بل تتمثل في إسقاط النظام الصهيوني العنصري الذي يضطهد الفلسطينيين، ويسرق ثرواتهم ويمنعهم من الحياة الكريمة والعودة إلى ديارهم وتقرير مصيرهم. فإذا نال الفلسطينيون حقوقهم فلا ضير من العيش في دولة ديمقراطية واحدة يمتلك فيها الجميع ذات الحقوق، كما حدث في جنوب أفريقيا بعد إسقاط نظام الفصل العنصري، وحينها سيستفيد الفلسطينيون من النظام السياسي في إسرائيل وسيناضلون من الداخل سلمياً، كما يفعل الآن أحمد الطيبي ورائد صلاح، وسينتفعون من التقدم العلمي والتكنولوجي الإسرائيلي."

هذه الجزئية، ختم بها الكاتب (الحمساوي) أحمد أبو ارتيمة مقاله التنظيري لمسيرات العودة الكبرى، ومع أني حاولت القفز عن المضمون (الفارغ) الذي أصّل فيه للفكرة (الممتازة)، إلا أنني لم أستطع الاكتفاء بترك توقيعي الرافض لهذا الافراط في البراغماتية والتبسيط للمشهد، فغداة قراءتي للـ "مقال الأعجوبة" التقيت أحد الرفاق الواقعيين إلى حدٍّ ما، وهو ليس من الموغلين بالشعارات والأحلام مثلي، وفاجأني بأنه هو أيضاً سمع المقال على إذاعة الأقصى الحمساوية في الجولة الصباحية، قبل أن يعيد قراءته على صفحة "أبو ارتيمة"، ومعني أن مؤسسة تابعة لشبكة الأقصى قد قرأت المقال على أسماع الناس، أن هناك قبولاً واستحساناً "للتساهل السياسي والوطني" الذي تضمنته أسطره، أو تنظيراً له، أو ربما على حسن الظن، وجده معد البرنامج الصباحي في موقع إخواني "عربي 21" فاعتقد أنه مناسب للنشر، لأن صاحبه مشهور في التفكير خارج الصندوق.

ومع أنني كنت قد أعجبت بفكرة مسيرة العودة الكبرى، واعتقدت أن تصّدر المثقفين لهذا المشهد يجعله أكثر قيمة وإنجازاً، إلا أن التأصيل السياسي والأخلاقي الذي قدمه صاحب الفكرة، أظهر قصوراً وسطحيةً في فهم المقاومة الشعبية، وتخطّاها للتسويق بأن قضية اللاجئين هي قضية "إنسانية" محقة، وليست أكبر مشكلة سياسية عاشتها المنطقة خلال الأعوام المائة الماضية، وأخطر احتلال إحلالي شهده التاريخ المعاصر.

الأزمة الأكبر في طرح الأخ "أبو ارتيمة" هي التسويق لفكرة أن مسلمات كـ "ما أٌخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة" اهتزت بفعل المِراس الخاطئ للمقاومة التي لم تحقق إنجازاً منذ عشرة سنوات خلت، ثم الترويج إلى أن الحلول الأكثر نجاعة هي القوة الناعمة، وعلى مذهب القتال السلمي "ازرع ليمون ازرع تفاح .. ثورتنا سلمية دون سلاح"  ودون الالتفات إلى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية الصفرية خلال ثلاثة عقود من الرهان على الحلول الدبلوماسية مع الاحتلال، ينظر "الشاب" لطرحه ويدعّمه ببراهين طيبة على شاكلة "أن الفكرة الإنسانية لا تجتمع على باطل"، دون التنبه إلى أن هذه "الكلاشيهات" الأدبية الطيبة داسها عصر الإدارة الأمريكية الجديد بحذاء "ترامب"، ما دفع (أطفال) السياسية الفلسطينية للخروج مذهولين حين اكتشفوا أن –ترامب-  يعبر عن وجه أمريكا الحقيقي.

ثم أن محاولة الاستثمار في مؤسسات المجتمع المدني، تعبر عن قصور في فهم الدور العميق لهذه المؤسسات، إذ لم يلتفت الأخ "أبو ارتيمة" إلى أنها الوجه الناعم لقوى "الاستعمار"  فالولايات المتحدة الأمريكية التي دكت العراق بآلاف الأطنان من المتفجرات، كانت توعز إلى هيئة الأمم المتحدة التي تمولها بنصف موازنتها، بالتدخل لإنقاذ المدنيين تحت القصف، أليس من السذاجة الرهان على أي دورٍ يمكن أن تقدمه المؤسسات الدولية التي أنشِت ومٌولِت من ذات الدول التي أنشأت الاحتلال وأمدته بأسباب البقاء!

ليست مؤسسات المجتمع المدني الدولية سوى أحد أوجه الاحتلال الناعم للثقافات والعقول، وليست المؤسسات الإغاثية سوى ظهيرا أكثر "أناقة" للجيوش المحاربة، ظهيرٌ يقوم بدور التخدير الشعبي والإلهاء العام لجموع المظلومين والمشردين، إلى حين تثبيت قوى الإحتلال لوقائع فعلية، تزيد الوعود في عمرها، إلى حين تحول الإحتلال لواقع مقام وأصيل يستحيل تغييره.

ثم أن حَصر أساليب المقاومة بتذكير العالم بمظلوميتنا وبالوجه الأخلاقي لهذا الحق، يقفز عن مستوى العجز الذي تعيشه شعوب العالم، التي فشل "نواحهاوندبها" على أن يوقف أياً من المجازر التي مارستها الدول الكبرى بحق الشعوب التي احتلتها لنهب مواردها وخيراتها، ولم تنجح خلال ستين عاماً من نكبتنا إلا في تحسين ظروف احتلال "اسرائيل" لنا.

وماذا عن سقف الطموح الذي يمكن تحصيله من الدول التي لا تخضع للإدارة الأمريكية؟ وأي ضررٍ سيحققه رفض الدول للتعاطي مع "إسرائيل" أو حتى مقاطعتها وتعريتها إعلامياً، إذا ما علمنا أن "إسرائيل" انضمت إلى منظمة الأمم المتحدة، بعد سنة واحدة من النكبة، أي في ربيع العام 1948 بعد تصويت (37 مع، 12 ضد، و9 ممتنع)، أصدرت الجمعية العمومية قرارها رقم 273 بقبول عضوية إسرائيل بناءً على إعلانها بأنها "تقبل بدون تحفظ الالتزامات الواردة في ميثاق الأمم المتحدة وتتعهد بتطبيقها من اليوم الذي تصبح فيه عضواً في الأمم المتحدة" وبأنها تتعهد بتطبيق قرا الجمعية الصادر 29 نوفمبر 1947 (قرار تقسيم فلسطين) و 11 ديسمبر 1948 (قرار حق العودة للاجئين الفلسطينيين)

أي أن (اسرائيل) أصبحت كياناً شرعياً ومعترفاً به من أغلبية دول العالم بعد عام واحد من النكبة، ومنذ ذلك اليوم لم تنّفذ أياً من قرارات الأمم المتحدة، لا التقسيم ولا عودة اللاجئين الفلسطينيين، إن نعومة الطرح الذي يقدمه "أبو ارتيمة" وإن كان يعبر عن حالة من اليأس والإحباط من تعثر مشروع المقاومة، فهو يقفز بذات القدر على دونية الإنجاز الذي يمكن أن يحققه الجنوح إلى النعومة والدبلوماسية والاستجداء في حل القضية الفلسطينية.

وحتى لا يفهم نقدي على أنه نوع من التبخيس في الجهد النوعي الذي يقوم به الكاتب، فاعتراضي هو على التأصيل الثقافي للمشهد، الذي قد يكون مثمر نضالياً، فليس من المفهوم بالمرة، أن نعتبر أن فكرة المقاومة المسلحة غير منجزة، بسبب فشلنا في توظيفها على نحو نموذجي مثمر، فالأحرى أن ندّعم أي فكرة ثورية شعبية، إلى جانب إجراء مراجعات شاملة للسلوك المقاوم خلال العقد الأخير، بدلاً من استخدام حجة (اختلال موازين القوى) التي برر بها المطبعون رفضهم لخيار المقاومة المسلحة، ثم أن التنظير لقبول أدنى المستويات الإنسانية من الحق التاريخي المشروع للفلسطينيين بأرضهم بدعوى تعذّر الإمكانية لتحرير فلسطين حالياً، فيه مستوى أعظم من السطحية، فالتحرير ليس إجراءً آنياً يمكن تحقيقه خلال فترة محدودة، التحرير هو نتيجة لتراكم جهود وانجازات تتكامل في تحقيقها أجيال متلاحقة!

أرى أن المنصف أن نعتذر لكل الشهداء الذين سقطوا خلال الأعوام الماضية على طريق التحرير، وأن نعتذر لأبنائهم الأيتام إذا ما أردنا التنظير لهذا المستوى من الإسفاف والقبول بالسقف الأدنى من الحقوق، كأن "نعيش إلى جانب الإسرائيليين في دولة ديمقراطية"، كما أن على الإعلام الحمساوي أن يعتذر بشدة، من زعماء التيار السياسي الفلسطيني، كـ محمود عباس وصائب عريقات وأبو علاء قريع، لأن هؤلاء قد استبقوا "أبو ارتيمة" منذ زمن في "التفكير خارج الصندوق"، فليس من المنطق، أن يكون التفكير خارج صندوق الوطن مدعاة للتخوين، بينما التفكير خارج صندوق الحزب، مدعاة للتمجيد والإطراء.