يستنتج عبد الرحمن الراشد أنّ دعوة السعودية للحريري بعد أزمة احتجازه وتلبيته الدعوة، هي أدلّةٌ قاطعة على استقلالية حلفاء السعودية في لبنان، وذلك بعكس علاقة إيران بأتباعها التي تمتاز بالتبعية المطلقة، فالسيد نصرالله مثلاً لا يستطيع أن يناور أو يتحالف مع فئاتٍ أو دول دون ضوء إيراني أخضر، وإن تجرأ وفعلها ستقتله، وهذا الاستنتاج لا يختلف أبداً عن استنتاح أنّ الأسد يقتل شعبه، وهذا الاستننتاجات تخطّت مرحلة تزوير الواقع أو تحريفه، لأنّه جليٌ لكل من في رأسه عينين، ولكنها استنتاجات تعتمد نظرية استحمار المتلقي، وإقناعه بأنّه لا يرى على قاعدة"ما أريكم إلّا ما أرى وما أهديكم إلّا سبيل الرشاد"، فاختطاف سعد الحريري وإجباره على الاستقالة واحتجازه ليس استصغاراً وتبعية، بينما حين يضع قادة إيران السيد نصرالله في مرحلةٍ ما دون النبوة فهذا استصغار وتبعية، وكذلك فالأسد يقتل شعبه بينما أمريكا و"إسرائيل" وفرنسا وبريطانيا تحاول حماية شعبه، حتى أردوغان يحاول حماية شعب الأسد من الأسد، بينما لا يتورع عن قتل هذا الشعب في عفرين.

وهو أيضاً ما ينسحب على الغوطة حالياً، حيثياتٌ باطلة تؤدي لاستنتاجات خاطئة تؤدي لقراراتٍ أو تصوراتٍ فردية وجماعية فادحة، فقد أعلن من يُسموّن بـ"المعارضين" أنّهم لن يسمحوا للمدنيين بالخروج من الغوطة حتى لا يتم الاستفراد بمن يسمون"الثوار"، وحين لم يغادر أحد من الغوطة عبر الممرات الآمنة، قالوا أنّ المواطنين لا يريدون الخروج، ومنطق الأشياء يقول بأنّهم يمنعون الناس من المغادرة وهو ما أعلنوه، وذلك في سبيل اتخاذهم دروعاً بشرية، كما أنّ المنطق أيضاً وعلى افتراض صحة رقم 400 ألف مدني في الغوطة، فمن المستحيل أن يتفقون على عدم الخروج دون استثناء واحد على الأقل، حيث بعد أربعة أيام من هدنة الساعات الخمس اليومية لم يخرج أحد، أي أنّه لا يوجد مدني واحد يريد النجاة بعائلته من مخاطر الاشتباك أو القصف، وكل هذا المنطق يصبح عبثاً وبلا طائل حين يقرر أو يتصور الجميع بأنّ رهائن الغوطة لدى إرهابييها لا يريدون التحرر، ولا يوجد تفسير للتساوق الفردي أو الجماعي مع كل هذه الأكاذيب سوى الإذعان الذهني، وأبلج الأمثلة على هذا الإذعان هو ما غرد به عزمي بشارة قبل مدةٍ وجيزة، حين اعتبر أنّ "سؤال السوريين إذا ما كانت الحرية تستحق كل هذا الدمار هو سؤالٌ وقح، في حين أنّ الإجابة تكون وهل يستحق التمسك بالكرسي كل هذا الدمار"، وهذه وصفة كاملة للاستحمار المثالي، حيث تصوير الحرب على سوريا وفيها بين شعب ونظام حكم، لكن الجمع يذعن ذهنياً ويبدأ باجتراح المقارنات بين شقي السؤال بعبقرية وإنسانية.

وصفت موسكو التقارير التي تتحدث عن استخدام دمشق للسلاح الكيماوي بمعاونة الروس بالمهزلة الرخيصة، والحقيقة أنّه وصفٌ شديد التخفيف، وتسعى الولايات المتحدة لصياغة مشروع قرار لعرضه على مجلس الأمن للتصويت لإنشاء آلية تحقيقٍ جديدة، وذلك على وقع تهديداتٍ أمريكية فرنسية بريطانية بتوجيه ضرباتٍ للجيش السوري، في حال ثبوت استخدامه للسلاح الكيماوي، لم تكن الولايات المتحدة في حاجةٍ لكل هذه الثرثرة في مجلس الأمن، فيما لو امتلكت القدرة على مهاجمة سوريا، بذات القدر من الرغبة الجامحة في ذلك، هذا قبل خطاب الرئيس الروسي وإعلانه عن ترسانةٍ غير قابلة للصد، واعتباره أنّ الاعتداء على الحلفاء هو اعتداء على روسيا، أما بعده فإنّ هذا سيؤدي لتقلصٍ جديدٍ في القدرة، ولكن دون تتقلصٍ في الرغبة والحاجة، وهو ما عبّر عنه وزير الخارجية سيرغي لافروف حين قال"أنّ المجتمع الدولي كله يدفع ثمن سعي واشنطن للهيمنة والحفاظ على أحادية القطبية"، فالولايات المتحدة تريد تحقيق كل الأهداف عن بعد ودون دفع الثمن، فهناك من يدفع فاتورتها من الدم والمال، وهي تستغل ذلك في خلق ضغطٍ سياسيٍ وأخلاقي وإعلامي لتحقيق الأهداف، وهذا أحد أسباب إطالة أمد النزاع، ولا شك أنّ أمريكا وروسيا يمتلكان القدرة على تدمير بعضهما بل وتدمير الكوكب، ولكن من الجيد ألّا أحد يهدف إلى ذلك حتى اللحظة.

قد يكون من شديد السذاجة مخاطبة الإرهابيين في الغوطة لحقن الدماء، فهم ينفذون أجندات المشغلين دون التفكير في مصائرهم، فهم أول من عانى من متلازمة الإذعان الذهني، ولكن بكل الأحوال وجب عليهم معرفة أنّ قرار تطهير الغوطة متخذ وقيد التنفيذ، وأنّ خياراتهم محصورة بين تسليم السلاح للدولة وإعادة تأهيلهم مجتمعياً وإنسانياً، أو الخروج إلى إدلب في عملية تأجيلٍ مؤقتة لذات المصير، أمّا الإصرار على خدمة الأهداف الأمريكية و"الإسرائيلية"حتى رمقهم الأخير فهو أسوأ خيار، وأسوأ ما فيه أنّه خالٍ من الشرف وعديم الإثابة، وكما قال روبرت فورد السفير الأمريكي السابق في دمشق وهو الأب الأول لما يُسمى بـ"الثورة"السورية، "لا تنتظروا معجزة من الخارج، وفي نهاية المطاف عاجلاً أو آجلاً سيتم إخراجكم كما خرجتم من حلب"، وهو يعني ما يقول، حيث أنّ أمريكا لن تفتعل حرباً عالمية ثالثة لإنقاذكم، كما أنّ "إسرائيل" أعجز عن المجازفة، وفي طيات كلامه ما يعني ألّأ تصدقوا وعود أمريكيين على رأس عملهم، إذا كانوا يعدنوكم بالنجدة إن صبرتم، وأنا لا أعرف متى سأرى الجيش السوري في دوما عاصمة الغوطة، ولكني أعرف أنّه قريب جداً وأقرب مما تعتقد أمريكا و"إسرائيل".