جيلاً جديداً جاء بعد آخر دورة عقدها المجلس الوطني عام 1996 وهي الدورة الحادية والعشرون للمجلس، وقد كانت تلك الدورة التي حضرها الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون أشبه بمهرجان احتفالي جاءت بعد ضغوط اسرائيلية لتغيير بعض البنود في الميثاق لتتلاءم مع المرحلة الجديدة بعد أن تملص رئيس المنظمة حينها الزعيم ياسر عرفات.

في تلك الدورة تم رفع عدد أعضاء المجلس من 480 عضواً الى 730 عضو، كيف تم ذلك ؟ لا أحد يعرف وكيف تم التصويت؟ المشهد كان ينذر ببداية التراجع لهذه المؤسسة لصالح مؤسسة جديدة ناشئة وهي السلطة الوطنية والتي منذ تشكيلها لم يهدأ الحديث عن استيلاءها على القرار الفلسطيني الى درجة ذوبان المنظمة فيها وتراجع دورها.

منذ يومين يجري الحديث عن دعوة المجلس الوطني للانعقاد في ظل تساؤل جدوى هذه الدورة التي سبقها اجتماع للمجلس المركزي الذي اتخذ عديداً من القرارات التي لم تنفذ أي من المؤسسات التي أحيلت لها أي منها وظلت الأمور كأن شيئاً لم يكن وفي اطار النظام الداخلي للمنظمة فان المجلس المركزي يرفع تقريره للمجلس الوطني فهل سينعقد الأخير ليستمع الى شكوى المجلس المركزي بأن لا أحد أخذ قراراته على محمل الجد؟

حقيقة الأمر أن العلاقة بين المؤسسات الفلسطينية ليست سوية ربما أن الأمر نابع من أن تلك المؤسسات تفقد دورها ليس فقط بفعل تشكل السلطة كاطار منافس للقرار والامكانيات فقط بل لأن تلك المؤسسات تتآكل بفعل حالة الجمود والموت البطيء والتهميش المستمر لدورها وعدم ضمان حيويتها في عقد اجتماعاتها والأهم من كل ذلك هو غياب التجديد داخل هيآتها فكيف يمكن فهم مؤسسة عقدت آخر اجتماع لها قبل جيل كامل منتصف تسعينات القرن الماضي ؟

لكن الأزمة الأبرز أن منظمة التحرير الفلسطينية بدا أنها تفقد دورها بعد قيام السلطة الوطنية الفلسطينية بشكل لا يدع مجالاً للشك لغياب الدور الوظيفي الذي يتحدث عنه علماء الاجتماع فمن يذكر أي مهمة لها منذ ربع قرن مثلاً بعد آخر مهمة جدية وهي التوقيع على اتفاق أوسلو؟ لا شيء سوى اعتبارها بيتاً معنوياً كأنها تحولت الى مؤسسة رمزية وأثناء ذلك كانت تتراجع بهدوء سواء تراجع طوعي أو قسري عبر عنه الواقع القائم بقوة الغياب.

هل نحن معنيون بمنظمة التحرير حقاً؟ يبدو ذلك نظرياً على الأقل فلا يسمح بالتشكيك فيها أو بشرعية تمثيلها ونقف بشدة ضد أية محاولة لتجاوزها نظرياً بينما تقوم السلطة بهذا التجاوز يومياً بل يصل الأمر الى أن تتجاهل السلطة ما يصدر عن مؤسسات المنظمة وقرارات المركزي كانت المثال الصارخ.

الفلسطينيون بحاجة الى بناء مؤسساتهم التي تقادمت سواء السلطة أو المنظمة فقد تحولت تلك المؤسسات الى هياكل صورية فقدت أهميتها باستثناء الأهمية الخدماتية للسلطة فقد مر زمن لم يجر فيه أي تعديل على مكونات تلك المؤسسات ، فالمنظمة منذ اثنان وعشرون عاماً والسلطة منذ اثنا عشر عام وتلك أرقام يفترض أنها صادمة في عمر البنى السياسية والاجتماعية المتحركة .

منظمة التحرير ليست مجلس مركزي أو وطني بل هي امتدادات ونقابية واتحادات شعبية وقوى وفصائل جميعها تمثل الفلسطينيين وتصب في المؤسسات الفوقية ولا أحد يسأل عن تأكل النقابات والاتحادات خلال السنوات الماضية وبالتالي فان عقد الاجتماعات للطوابق العليا بمعزل عن تحضيرات الاتحادات تبدو كمن يبدأ العمل بشكل معكوس.

وفي اطار البحث عن اجتماعات المنظمة لم يعد أحد يسأل عن ضرورة اعادة بناءها وهو ما تتطلبه اللحظة التاريخية ارتباطاً بانغلاق أفق التسوية التي بدأتها المنظمة واضطرارها لاتخاذ قرارات مصيرية ربما احداها حل السلطة والتراجع النهائي عن الاتفاقيات وتحمل مسئولية الشعب الفلسطيني ما يستدعي بث الروح في مؤسساتها من جديد ليس بمعزل عن سياقات الانزياح في المجتمع الفلسطيني فهناك فصائل تآكلت وأخرى شقت طريقها ولا أحد يفهم أن توقع الفصائل اتفاق اعادة بنائها منذ سبع سنوات وتفشل في عقد اجتماع تحضيري واحد لها.

واضح أن الفشل الذي أصابنا جميعاً لم يحرك بعد أصحاب القرار ومن الواضح أن ليس هناك ادراك للفشل حتى وإلا لكان الأداء مختلفاً والفعل مختلفا والبناء عكس ذلك فما جرى من تحطيم بحاجة الى سياسة مختلفة يبدو أنها لن تكون لأننا لا زلنا ندير بنفس المنطق الذي أدى الى هذا الانهيار أوله اعادة الاعتبار والصلاحيات للمنظمة من مؤسسة السلطة ..!!

خاص نبـأ برس|| نسمح بإعادة النشر شرط ذكر المصدر.. يُحظر القيام بأي تعديل، تحوير أو تغيير في النص

[email protected]