أحياناً لا يعرف المرء أن يغضب من الفصائل أم يشفق عليها وعندما يسير في شوارع غزة لا يعرف هل يغضب من الناس الذين ألقوا بأنفسهم لهذه التهلكة في خياراتهم الانتخابية أم يشفق عليهم لأن نواياهم كانت صادقة حين ذهبوا للصندوق حالمين بحياة كريمة فاذ بهم يقعون في كمين لا مخرج له.

أن يشفق على الفصائل لأنها دفعت في هذا الطريق الطويل أغلى بكل ما تملك من قوة وعناد ووضعت نفسها في دور المسئول الذي لا يملك لا سلطة ولا اقتصاد في ظل تحكم الاسرائيلي بكل شيء وحاولت أن تجتهد في الحكم لكن الواقع كان أكبر من امكانياتها وقدرتها ومن كل شعاراتها.

أن يغضب منها لأنها أدارت الحالة بعقل وسلوك لا يرقى الى مستوى الحد الأدنى من علم السياسة قادت بعقل العشيرة وعقل الحسابات الصغيرة وفشلت في ادارة خلافاتها وحولت الوطن الى حلبة مصارعة فلاكمت نفسها والجمهور لتحول الحلبة والمتفرجين والمدرجات الى كومة من الركام.

جميعنا كان مصدوماً مما فعلته حركة حماس وهي تطرد السلطة من غزة بلا أدنى حسابات لو كانت قد أجرتها كما فعلت خلال الشهور الماضية لكانت قد وفرت علينا كل هذه المعاناة ولأعفتنا من أحد عشر عاماً من الذل والبؤس وقد تمتد الأزمة أكثر لأن الفشل الظاهر للمصالحة يشبه تماماً الفشل في ادارة الاختلاف عام 2007 ولم يتغبر شيء ولا زلنا أسرى فشل يسلمنا لفشل آخر ولم نتعلم من كل دروس الكون معتقدين أن شطب الآخر هو العلاج السحري للأوطان لنكتشف أنه يمهد لشطب الوطن تمهيداً لصفقة التسوية.

كأننا نسينا أن لدينا صراعاً رئيسياً وأن لدينا خصماً على درجة من الشراسة يحتاج لاستدعاء كل دفاعاتنا لصد كل الهجوم الذي نتعرض له ممن يملك امكانيات قوية، فقد انهارت كل مَصَدّاتنا بأيدينا وحطمنا كل ما يمكن أن نعتمد عليه من خطوط أمامية وخلفية حتى.

ما الذي حصل وكيف وصلنا الى هذا الخراب الذي يظللنا ويحاصرنا ويهبط بمشروعنا الوطني من مستوى القدس وعودة اللاجئين نحو رواتب ومناصب وتمكين حكومة وحصار شعب واغلاق معابر؟ من الذي جرنا الى هذا المربع ويصر على ابقاءنا في مستنقع الانقسام؟ ليس مهماً الأيادي التي عبثت بنا لكن النتيجة التي أمامنا هي أن ما هو موجود لدينا من قوى وفصائل وقيادات سياسية سقطت أو أسقطت وهي أكثر وهناً وعجزاً عن الوقوف، أمامنا فشل ذريع يسجل نفسه في كل تفاصيل حياتنا فشل سياسي في الضفة وفشل انساني في غزة وهم يتنازعون على كومة الخراب.

ما هو الحل اذن؟ هو السؤال الذي أصبح لا معنى له في ظل التهاوي المستمر وهو السؤال القادر على اجابته طفل في المرحلة الابتدائية ، الحل بالمصالحة ...ولكن هذه المصالحة بدت ثقيلة على المتحاورين لأجل السلطة والمصالح، الحل بانتخابات تعيد تجديد روح نظاماً سياسياً أصابه العطب مصالحة تعكس روح الشارع ومزاجه ورغبته دون ادعاء أي أحد بتمثيل هذا الشارع الذي تجرد من كرامته وانسانيته ومشروعه الوطني وكل شيء كرمى لرغبات وغرائز السلطة التي دفعتهم لارتكاب جريمة كسر العامود الفقري للمشروع الوطني وها هي النتائج تتضح بانقسام استمر أحد عشر عاماً لينتهي بمشروع أميركي ساحق للحقوق الوطنية فأية فصائل وأي ساسة جرهم الجشع وأمية السياسة الى هذا الواقع؟

إذا لم تحدث صدمة الواقع ما يكفي من الافاقة واذا لم يقنعنا الراهن الأميركي باندفاعه ضدنا والاسرائيلي بعربدته والعربي بانهياره والفلسطيني بانكساره يقنعنا كل هذا بضرورة التوقف أمام هذا الواقع والخروج منه بأسرع ما يمكن خروجاً حقيقياً بالانتخابات وليس ترقيعياً كما تحاول الفصائل مرة بمصالحة كسيحة وإدعاء التنازلات الشكلية ومرة بانعقاد مؤسسات هشة لتتخذ قرارات معلقة لا تؤخذ على محمل الجد هذا يعني أن التدمير الذاتي المنتظم أو العفوي هو الذي يمهد لتصفية مشروعنا الوطني لأن الوحدة الداخلية هي حجر الرحى في هذا المشروع تحدد أن ننتصر أو ننهزم وما تقوم به الفصائل لا يؤدي الى انتصار هل تفهم ..؟؟

خاص نبـأ برس|| نسمح بإعادة النشر شرط ذكر المصدر.. يُحظر القيام بأي تعديل، تحوير أو تغيير في النص

[email protected]