على وقع المناورات العسكرية الضخمة المشتركة التي يجريها الجيش الإسرائيلي بجانب رفيقه الأميركي، التي انطلقت في الرابع من مارس والمستمرة حتى نهاية الشهر الجاري، عادت الماكينة الإعلامية الإسرائيلية مجدداً للحديث عن غرف سوداء مؤلفةً من عناصر وكوادر وضباط في شعبة الاستخبارات العسكريّة، وفي "الموساد" و"الشاباك"، تتركز مهمتها على جمع المعلومات ورصد تحركّات الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله فوق الأرض وتحتها؛ تمهيداً لتصفيته جسدياً في الحرب المقبلة.

قائد القوات البرية الإسرائيلية، جاكوب باراك، قال خلال حديثه مع المراسلين العسكريين مؤخراً، إن "إغتيال نصرالله، سيفضي إلى انتصار حاسم في الحرب المقبلة مع لبنان"، إلا أن تصريحات "باراك" قُوبلت بانتقاد من قبل المحلل العسكري في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية يوسي ميلمان الذي اعتبر أن "هذا الكلام ثرثرة، وأنهم يريدون التباهي في لقاءاتهم مع الصحفيين، وهذا يقودهم للحديث مرة بعد أخرى عن المعركة القادمة، وكيف يمكن أن تبدأ وماذا سيكون هدفها وما معنى السعي للحسم فيها وما هو الانتصار وكيف يقاس".

تجربة (إسرائيل) في تنفيذ عمليات الاغتيال ضد قيادات حزب الله خلال السنوات الماضية كانت حاضرةً لدى "ميلمان" الذي قال إن "إسرائيل تعلمت خلال السنوات الماضية من درس اغتيال عباس موسوي في العام 1992، بعد الاغتيال فجرت إيران بمساعدة حزب الله السفارة الإسرائيلية في بوينس آيرس وبعدها مجمع الجالية اليهودية في الأرجنتين وهذا أوصلها إلى قناعة أن الاغتيال مكلف".

وتابع ميلمان "في حرب لبنان الثانية كان هناك من عمل على اغتيال نصر الله ولكنه تعامل بحذر واتخذ اجراءات شديدة للإفلات من الاغتيال وهي الاجراءات التي لازال يتخذها حتى الآن"، موجهاً رسالة مفادها بأنه "ربما حان الوقت أن يغلق رئيس الأركان أفواه الضباط ويأمرهم بالتكلم فقط على ما هو موجود في نطاق مسؤوليتهم".

ولا تعد هذه المرة الأولى التي تُهدد فيها (إسرائيل) باغتيال السيد نصر الله فقد سبق ذلك إطلاق عدة تهديدات ولم تُفلح، وفي ذلك يرى المتخصص في الشؤون الميدانية والعسكرية جمال شعيب أنه وبعد فشل العدو الصهيوني في الحفاظ على هيبة سلاحه الجوي وآخر مظاهر تفوقه العسكري النوعي على محور المقاومة، بالتزامن مع ما أثير من تهديدات حول قضية "البلوك 9" واستدعت رداً حاسماً من السيد نصرالله، تضمن معادلات جديدة لحماية الثروات اللبنانية، تفتق العقل الصهيوني عن فكرة قديمة جديدة وهي استهداف حياة أو موقع الأمين العام لحزب الله، ظناً منهم أن ذلك قد يشكل ردعاً للمنظومة الأمنية الموكلة بحمايته فهم يعلمون بأن هذا التهديد لا يمكن أن يشكل أي ردع للسيد نصر الله أو لقيادة المقاومة أولاً: ليقينهم بأن الشهادة أولى أمانيه الشخصية، وثانياً: لأن تجربتهم السابقة في استهداف السيد عباس الموسوي اوصلتهم الى ما اسموه "البديل الأشد قسوة" بالنسبة لهم.

وتابع شعيب حديثه لـ نبأ برس: "هذه التهديدات باستهداف السيد نصرالله، لم تلقَ سوى الاستهزاء في الوسط الاعلامي الصهيوني، ولاحظنا كيف أن تعليقات العديد من المحللين كانت تسخيفيه، سواء لناحية صعوبة الوصول الى تحديد مكان تواجد السيد، أو لجهة أن الكيان نفسه وأجهزته الاستخباراتية لا تملك أدنى دليل على أن استهدافه قد يحسم المعركة أو يضمن أن لا يأتي بديل سيُقال عنه كما قيل عن السيد نصر الله، البديل الأشد قسوة".

كما "يتفق الجميع، خصوم واصدقاء، حياديين ومراقبين، بأن المقاومة تمتلك سلسلة قيادية تتفوق على نظيراتها في الجيوش الكلاسيكية لناحية الالتزام والايمان والارتباط الروحي بالمهمة الموكلة، وأيضاً تمتلك منظومة قيادة وسيطرة أثبتت كفاءات وقدرات عالية في ادارة معارك النصر المختلفة في لبنان وخارجه". وفق شعيب.

وخلص شعيب بالقول إن "الحديث عن حسم المعركة باستهداف شخص مهما كانت رمزيته عالية، لا يمكن أن يزعزع أو يساهم في انهيار هذه المنظومة، الأمر الذي يؤكد إما غباء مطلق التهديدات وجهله العسكري والتنظيمي بهيكلية وقدرات منظومة القيادة في حزب الله، أو سخافته وسوء استخدامه للتهديدات في الحرب الاعلامية والنفسية".

يشاركه في الرأي الكاتب والمحلل الاستراتيجي اللبناني العميد أمين حطيط، الذي قال إن "إسرائيل ورغم كل ما تملك من امكانات عسكرية وصلت لقناعة أن هذه الامكانات التي تملكها لا تخولها لتحقيق انتصار في الميدان بالشكل الذي يراهن عليه من قبل أي عسكري، لأن عوامل النصر في الميدان محددة وفقاً لمعايير، وفيما يبدو أن إسرائيل يئست من تحقيق نصر في الميدان وفقاً للمعايير المعتمدة في القواعد العامة عسكرياً واستراتيجياً".

وتابع حطيط قائلاً "حتى تعوض إسرائيل عن هذا العجر الذي باتت تقتنع به لجأت إلى أسلوب آخر تروج له بأنه قد يكون مدخلاً للنصر الذي تشتهى، ووجدت أن عمليات الاغتيال التي تتقنها منذ أن نشأت وهي تقوم على منظومة القتل والإجرام وارتكاب عمليات الاغتيال داخل وخارج فلسطين، لتعويض واقع العجز الذي تتخبط به".

واتفق الكاتب إيهاب زكي مع سابقيه، وقال إن "السيد نصرالله بحد ذاته بعيداً عما يمتلك من قوة عسكرية سلاح ردع فعال لـ"إسرائيل" وخصوصاً لجبهتها الداخلية ومستوطنيها، فهو أبرع من يمارس حرباً نفسية تصيب الكيان بالإرباك ويأتي الحديث الدائم عن غرف عمليات ومراقبة تحركاته على مدار الساعة كجزءٍ من المحاولات "الإسرائيلية" الدفاعية أمام هذا الطوفان من الرعب الذي يمثله السيد، وكذلك جزء من تغطية العجز الاستخباري".

وتابع الكاتب الفلسطيني: بالنسبة لـ (إسرائيل) فلا يوجد صيد أثمن من السيد نصرالله وهم بحكم العادة يجدون الاغتيال اقصر الوسائل للتخلص من الأعداء، ويحاولون كذلك ممارسة الحرب النفسية على السيد نصرالله اولاً وعلى بيئته ثانياً، من خلال محاولة الايحاء بأن اغتيال السيد هو نهاية العالم، فحين تبدأ الحرب وتنجح (إسرائيل) في اغتيال السيد فبحكم الايحاء المسبق ستعتقد البيئة أن الأمور انتهت مما يجعل اليأس سيد الموقف، ولكن هذا تقدير خاطئ واستنتاج لا يرقى لمستوى التحدي الذي تواجهه (إسرائيل).