لا يمكن القفزعن أصغر مشهدٍ تفصيلي عند تحليل حادثة الانفجار التي استهدف موكب رئيس وزراء حكومة الوفاق رامي الحمد الله عقب دخوله من معبر بيت حانون شمال غزة.

وأمام اختلاف الرؤى السياسية التي حللت الواقعة، فإنه من الجيد أن نرصد في هذا التقرير كافة السيناريوهات المتوقعة، بالاستناد إلى الجهات المستفيدة سياسياً من الحادثة في هذا التوقيت الحساس.

التهرب من المصالحة

 قبل 24 ساعة من (محاولة الإغتيال الفاشلة) ، نقلت صحيفة العربي الجديد القطرية على لسان قيادي رفيع في حركة فتح، إن اللواء ماجد فرج رئيس جهاز المخابرات في السلطة الفلسطينية أعد تقريراً ورفعه للرئيس محمود عباس يحذر الأخير فيه من استكمال المصالحة التي تتم بوساطة مصرية، واصفاً إياها بـ"فخ يُنصب لأبو مازن"، على حد تعبير المصادر.

 وأشار القيادي في فتح – مجهول الهوية – لنفس الصحيفة إلى أن تحركات الوفد الأمني المصري في غزة، بقيادة مسؤول الملف الفلسطيني في جهاز المخابرات اللواء سامح نبيل، والعميد عبد الهادي فرج، أثارت شكوكاً عديدة لدى قيادة "فتح" في الضفة.

ولفتت  لصحيفة التي تتخذ من لندن مقراً لها، إلى أن كافة التحركات التي تتم من الطرف المصري هدفها في النهاية تهيئة الأرض لصالح القيادي المفصول عن "فتح" محمد دحلان، المدعوم من المعسكر المصري-الإماراتي، وأن هناك ضغوطاً على عباس لإجباره على استكمال المصالحة، وفي حال امتناعه سيتم إبرازه من خلال الآلة الإعلامية المصرية وكذلك الوسائل التي يدعمها دحلان، كمعرقل للوحدة الداخلية ولجهود رفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني.

 وقد يبدو الأمرغريبا، أن تحذيرات فرج من وجود أفخاخ في الطريق المصالحة مع حماس سبقت القرار بزيارة غزة بـ 24 ساعة فقط،  وبرفقة رئيس الوزراء رامي الحمد الله، فيما تبين أن محطة المياه التي جاء الحمد الله ليضع لها حجر الأساس قد افتتحت قبل شهرين، علما أن رئيس التوافق جاء بدون صحبة الوزير المختص مازن غنيم ويصطحب فرج بدلاً منه.

كما أنه في الزيارة الأولى لغزة رفض "فرج" تأمين موكب الحكومة من قبل أمن غزة وحتى رفض أن يشارك أفراد حرس الرئيس في القطاع بتأمين الوفد في تلك الزيارة، وكشُف وقتها أن إحدى السيارات التي جاءت مع فرج كانت مليئة بالأسلحة الثقيلة الدقيقة التي لا تتناغم مع حجم الوفد واحتياجات تأمينه، وحين سُئِل "فرج" عن تلك الذخيرة، امتعض وخرج من القطاع بنفس اليوم.

لذلك؛ لا يكمن إستبعاد فرضية أن فرج رفض مرة أخرى تأمين أمن حماس للزيارة التي تمت محاولة الاغتيال في أولى خطواتها داخل القطاع، غير أن "الداخلية بغزة"  لم تصرح شيئا بما يتعلق بهذه الجزئية.

 

 نقطة ثالثة، لم يعهد الشارع الفلسطيني على حكومة التوافق والسلطة الفلسطينية ككل أن تطل مسرعة في إصدار البيانات على أي موقف سياسي أو ميداني، إذ تحمّل الأمر من  طاولة الرئاسة بضع دقائق لإصدار موقفها، محملا حماس المسؤولية الكاملة عن محاولة الاغتيال.

إذ انهمرت التصريحات على نحو متزامن من قيادات السلطة،  حسين الشيخ وهو وزير الشئون المدنية في حكومة التوافق قال إن: "حماس تتحمل كامل المسؤولية عن هذا العمل الاجرامي الكبير وهو سيشكل سابقة خطيرة جدا وسيبنى عليها العديد من القرارات والكثير من السياسات ونحمل حماس كل المسؤولية".

 وتبعه فرج وهو في غزة بالقول : المتهم هو من يسيطر على هذه الأرض ويحفظ أمنها.

 هنا، يرى المحلل السياسي حسام الدجني، أن من يتحمل مسؤولية الانفجارهي حماس  مستدركا بالقول إنها "مسؤولية مشروطة"، بمعنى إن طلب من حماس تأمين الموكب وحصل ذلك فهى المسؤولة الأولى عن الحادثة ولكن إن رفض تأمين وفق ما حصل في المرة الأولى يقول الدجني:" هنا تساؤلات عريضة ومهمة وأسلفها خط أحمر". لذلك يرى على حماس أن توضح موقفها.

 يعارضه المحلل السياسي اكرم عطا الله الذي يرى أنه حتى لو رفضت التوافق تأمين الموكب فعلى حماس تأمين المنطقة على اعتبارها سيدة الأمن في غزة.

هل كانت الرسالة من حماس؟!

لا يمكن تقديم شهادات براءة مجانية لأي طرف على الساحة الفلسطينية، وتحديدا أطراف المصالحة المتعثرة؛ فحيثيات الواقعة وطبيعة الانفجار تؤكد أن من نفذها لم يشأ أن يقتل، ولو أراد القتل، لفعل أكثر من ذلك بكثير، لكن ضعف الانفجار ومحدودية ما تسبب به من خسائر، يرافقه عاصفة كبيرة من الرسائل التي ستخلط أوراق المصالحة وتٌعيدها إلى نقطة الصفر.

وسيكون الافتراض بعدم وجود آراء متباينة داخل "حماس" حول سلوك قيادتها السياسي والداخلي، ضرباً من ادّعاء النموذجية والأوهام، هنا يعلق الباحث السياسي محمد العيلة المقرب من حركة حماس في منشور على صفحته الزرقاء قائلاً: " لم ترغب حركتي فتح وحماس الإعلان عن فشل المصالحة رغم أنها في موت سريري خشية تحمل تبعات فشلها، ومن استهدف موكب الحمدالله أراد ايصال رسالة بدون نيّة قتل، وبغضّ النظر عن هوية الفاعل -وإن كانت مهمة- فإن التفجير سيضرب مسار المصالحة وسيمنح فتح ذريعة على طبق من ذهب تشرعن تلكؤها وترددها".

وفي غمرة تراشق التهم، صرّح الناطق باسم حكومة الوفاق يوسف المحمود مؤكداً أن: "قادة من حماس رفضوا دعوة الحمد الله للقائه في شمال قطاع غزة"، وردت حماس في بيان على لسان متحدثها الرسمي فوزي برهوم :" أن ما جرى محاولة لضرب أي جهود لتحقيق الوحدة والمصالحة، "وهي الأيدي ذاتها التي اغتالت الشهيد مازن فقها وحاولت اغتيال اللواء توفيق أبو نعيم" مستهجنة الاتهامات الجاهزة من الرئاسة الفلسطينية ضدها.


في خلاصة الأمر، لا يبدو أن المشهد مريحاً وواضحاً بالقدر الذي يمكن فيه تحديد المستفيد من هذه الحادثة، فمع أن الموقف الحمساوي الرسمي يميل إلى تحقيق المصالحة دون تقديم المزيد من التنازلات، أي بدون القبول بسقف مطالب أبو مازن المرتفع، إلا أن هناك تياراً متصاعداً كان يرفض المصالحة جملاً وتفصيلاً، وتعزز حضوره مع مراوغة "رام الله" المستمرة وتصاعد إجراءاتها العقابية تجاه القطاع، لذا، فإن فرضية أن يعبر بعض الأشخاص عن نقمتهم بحدث كهذا واردة، وإن كانت بشكل فردي

 

فصل القطاع عن الضفة .. أيادٍ إسرائيلية

جاءت هذه الحادثة في خضّم مشروع سياسي تقوده أمريكا في المنطقة، وتمثل إحدى تجلياته فصل الضفة المحتلة عن قطاع غزة، وبالعودة لـ "عطا الله" فإن :" هذا تطبيق عملي، لما يعرف بفصل القطاع عن الضفة"، فيما يضيف الدجني :" هذا استهداف للمشروع الوطني ككل وليس المصالحة فقط، وعليه فمواجهة هذا الانفجار يبدأ اولا بالكشف عم من يقف خلفه ومحاكمته ثم الاستمرار في مسيرة المصالحة وتسريع وتيرتها".

وفي وقت سابق كانت مصادر دبلوماسية مصرية قد كشفت لـ"العربي الجديد" عن ضغوط سعودية يقودها محمد بن سلمان، تُمارَس على عباس للقبول بالصيغة الأميركية الإسرائيلية لتسوية القضية الفلسطينية، والتي تقضي بقيام دولة فلسطينية مقطعة الأوصال، وبحدود تدريجية.

وإذا لم تكشف الأجهزة الأمنية بغزة عن هوية المنفذين لتقطع الشك باليقين، فإن سيناريو كهذا، تقف خلفه أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.  

في غضون ذلك، استغلت فضائية فلسطين الرسمية حفلة التراشق، واتهمت القيادي المفصول من حركة فتح محمد دحلان بشكل ضمني بالوقوف وراء العملية، إلا أن الأخير لم يعقب على هذا الاتهام  واكتفى بالقول:" الاحتلال الإسرائيلي وحده المستفيد من دفع الوضع الفلسطيني نحو هاوية الدم و تعميق الانقسام أكثر فأكثر.


في محصلة الأمر، نحن أمام قدر كبير من التطورات التي ستعقد المشهد، فمع أن نتائج الانفجار التي أظهرها الصور تتوافق مع انفجار أصغر "قنبلة يدوية" إلا أن النتائج السياسية لهذا الانفجار عديم الخسائر اللوجستية، ستكون نووية على صعيد السياسية، فالمصالحة أضحت في مهب الريح، والقطاع سيكون عرضة لمزيد من العقوبات، أما "حماس" فهي مدفوعة أكثر من أي وقت مضى، في وضع خياراتها الصعبة على طاولة البحث، فهي ستكف بكل تأكيد من "انتظار فرج السماء"، اللهم إلا إذا قررت السلطة باعتبار -براءتها من الحدث- أن تقفز عنه، وتواصل خط المصالحة على نحو أكثر حرصاً، حينئذ سنكون أمام مرحلة جديدة من المسؤولية الوطنية والاجتماعية، ستستحق عن أن يٌكتب عنها الكثير.