إنّ ترامب من أوائل الرؤساء الأمريكيين الذين يجاهرون بطبيعة علاقة بلاده بمحميات النفط على هذه الشاكلة من الوضوح، فتلك المحميات بالأصل اختراع استعماري، وتاريخ إنشاء تلك المحميات يبرهن بالقطع على أنّها أملاك أمريكية عينت لها موظفين شكليين برتبة شيوخ عشائر، تتطلب لغة العصر ومتطلبات تحرير الأخبار تسميتهم بالملوك والأمراء، والتاريخ حافل بمواقف التبعية والعبودية، كما هو حافل بصيرورة اتخاذ القرارات في تلك المحميات، ففي كل زاوية من زوايا ما تسمى بالمؤسسات في تلك الممالك والإمارات، يربض عملاء "السي آي إيه" تحت مسمى مستشارين، مهمتهم رسم السياسات وإصدار التوصيات التي تتحول  إلى قرارات بسرعةٍ تفوق ترجمة نصوص  التوصية إلى العربية، وعلى سبيل المثال لا الحصر على هذه الآلية الوثيقة التي وردت في كتاب "المشروع القومي الذي لم يتم" للدكتور ذوقان قرقوط.

 حيث تقول الوثيقة الصادرة عن مجلس الوزراء السعودي موجهة للملك فيصل على شكل توصية، "انعقد المجلس بغياب بعض الأعضاء وحضور أصحاب السمو الآتية أسماؤهم وبعض الخبراء الأمريكان"، وكان من ضمن الحضور الملك الحالي سلمان حين كان أميراً للرياض، "وعلى رأس الحضور كان الضابط الأمريكي (كيم روزفلت) مدرب خبراء وزارة الدفاع، وأما فحوى الوثيقة فأقتطف منها التالي"تأكد لنا بما لا شك فيه أبدا أن المصريين المعتدين لن ينسحبوا من اليمن ما لم يرغموا بقوة جبارة تضربهم وتشغلهم  بأنفسهم عنا إلى الأبد ، وأنه ما لم تتحرك صديقتنا العظيمة أميركا لدعم إسرائيل لردع المصريين فسوف لن يأتى عام 1390 هـ او كما قال الخبراء الأميركان عام 1970 م - وفي هذه الأرض لنا ولأميركا بقية من وجود"، كما يورد محمد حسنين هيكل في كتابه "الإنفجار 67"" أنه في زيارة الملك فيصل للولايات المتحدة في يونيو 1966م،أخبرت مجموعة المقدمة السعودية المسؤولين الأمريكيين بأن إسرائيل ليست عدواً، إنما القومية العربية ونظام عبد الناصر كما يمثلها هم العدو"، بمعنى أنّ ضابط الارتباط الأمريكي ينبئ السعوديين بأنّ هذه الجهة أو تلك هي العدو، ثم يوصي بأنّ يقوم الملك السعودي بطلب المساعدة من الرئيس الأمريكي، فيتقدم الرئيس الأمريكي لتحقيق المصالح الأمريكية و"الإسرائيلية" باعتبارها مصالح سعودية.

 

وإذا كانت الأمور تتم على هذه الشاكلة، فلماذا يصرّ الرئيس الأمريكي على إذلال السعوديين علناً خارقاً قواعد الإذلال السري المتبع منذ النشأة، هل هي طبيعة ترامب العدوانية المتعالية، أمّ أنّ هناك استراتيجية أمريكية تتطلب ذلك، فكما تنقل"سي أن أن" عن ترامب أنّه قال" أنكم-حكام السعودية والخليج-دوننا ما كنتم لتستمرون في مواقعكم أسبوعين"، وكان قد قال قبل ذلك" إذا كانت السعودية تريد بقاء القوات الأمريكية في سوريا فعليها دفع تكاليف ذلك"، في حين أنّ السعودية دفعت وتدفع وستدفع كل فواتير الحروب الأمريكية في المنطقة والعالم، دون الحاجة لهذا الإذلال والصفع المتكرر، كما أنّهم لا يدفعون المال فقط، بل يدفعون أيضاً في السياسة، خصوصاً وأنّ الولايات المتحدة و"إسرائيل" في حاجة ماسّة لصورة "الزعامة" السعودية للعالمين العربي والإسلامي، من أجل تمرير ما تُعرف بصفقة القرن، وتهشيم هذه الصورة من خلال الإذلال لا تخدم هذه المهمة، قد يكون من التجديف راهناً استنتاج استراتيجية أمريكية تختبئ خلف هذا السلوك العدواني والمتعالي، غير إثبات التسيد الأمريكي العالمي المتآكل والمتراجع عبر تظهير العبودية السعودية.

وعليه فمن المدهش اندهاش البعض من الصمت السعودي تجاه كل هذه الصفعات، حيث أنّ العائلة الحاكمة لا تملك سواه أمام سر بقائها، ولكن المدهش حقاً هو صمت الضحية الفلسطينية أمام جبروت العبيد،فترامب الذي يأخذ المال ويأمر فيطاع لا يتوانى عن جلد آل سعود فيستكان له، ثم حين يقوم بن سلمان بجلد التاريخ الفلسطيني والعربي في فلسطين معتبراً إياها أراضٍ يهودية، لا يملك قائداً فلسطينياً جرأة ترامب أو جزءٍ يسيراً منها، ليقول أنّ فلسطين ليست ثمناً ليكون كائناً من كان عبداً جيداً ومطواعاً، ثم ولكأن فلسطين أصبحت الثمن المطلوب ليثبت كل راغبٍ في أن يكون عبداً جيداً، فيسارع الوزير القطري الأول السابق حمد بن جاسم لتأييد بن سلمان في حقوق اليهود في فلسطين، ثم نكتفي بالتهليل للتلاسن بين أردوغان ونتن ياهو، باعتباره فتحاً أردوغانياً مبيناً ونرفع الأعلام التركية، ففي الوقت الذي كان يطلق أردوغان للسانه العنان نحو نتن ياهو، كان الطائرات "الإسرائيلية" بطياريها تحط في المطارات التركية للبدء في إجراء مناورات وتدريبات مشتركة تحت إسم "نسر الأناضول"كما نقل موقع"ترك تايمز" المقرب من الحكومة التركية، الطيارون"الإسرائيليون" سيتدربون في تركيا على قصف جبال الهمالايا أو أدغال البرازيل طبعاً لا غزة ولا لبنان ولا سوريا ولا حتى إيران، فنحن ومنذ أُصبنا بجذام ما يسمى القرار الفلسطيني المستقل، لا نشعر بلحمنا المتساقط وعظمنا المطحون على كل الموائد، ويبدو أنّ القيادات الفلسطينية لا تنظر إلى حجم وطبيعة التنازلات بقدر ما تنظر إلى المتنازل، فالقرار يثور باستقلاليته ويخمد حسب المتنازل لا حسب التنازل.