كلما رأيت ذاك الإعلام العربي المتماهي مع المصالح الصهيوأمريكية ومن يصطفون خلفه، ظننت آثماً أنّ هذا هو الدرك الأسفل،  ولكن سرعان ما يكشفون أنّ هناك دركاتٍ أكثر تسافلاً وانحطاطاً،  ويبدو أنّ ذلك الانحدار الأخلاقي بلا قاع، حيث يزرعون في أدمغة جمهورهم سماً ناقعاً زعافاً، يميت القلوب والضمائر حتى دون دقيقة حداد واحدة، فمنذ تغريدات ترامب التهويلية بالعدوان على سوريا، يمارس ذلك الإعلام وضيوفه حفلات التحريض والاستعجال والتشفي، حتى وصل ببعض من يسمون بـ"المعارضين" السوريين أنّ يعبر عن يقينه بمشاركة"إسرائيل" بهذا العدوان، كما عبّر عن امتنانه إذ أنّها لن تعلن هذه المشاركة، وهذا الشخص يشبه أنّ تعلن"إسرائيل" عن نيتها ضرب الضفة الغربية بالصواريخ، فيقوم معارضو حكم السلطة في غزة عبر الإعلام الفاعل في غزة، بالتحريض واستعجال تلك الضربة وإظهار الفرح العرمرم، أو فلنتصور  أنّ تقوم أمريكا وفرنسا وبريطانيا بالتهديد بالعدوان على غزة، مثلاً بحجة أحداث مسجد ابن تيمية، وأنّها جريمة ضد الإنسانية وجريمة حرب، فيقوم الإعلام العربي والجمهور العربي بالتهليل والتحريض والاستعجال، بذريعة حرصه على غزة وأهلها، ثم نقول كجمهور اللهم اضرب الظالمين بالظالمين، ونحسب أننا نُحسن صنعاً.

 

منذ بدأ ترامب بإطلاق التغريدات وكأنّه أحيا العظام وهي رميم، فالمشروع الأمريكي المهزوم بكل أدواته من رسميين و"معارضين ومثقفين وإعلاميين ومجاهدين"، دبَّت في عظامهم النخرة روح الحياة، وبدا نتن ياهو كأنّه نافخ الروح فيهم، فعاثوا في الأرض الإعلامية فساداً من جديد، فحين تؤزهم نفوسهم بأنّ أمريكا لن تتراجع عن عدوانها بثمنٍ أقل من رحيل الأسد، وخروج إيران وحزب الله من سوريا، فهم لا يدركون أنّ معجزة إحيائهم لا تعني أنّ الزمن توقف منذ يوم موتهم، وقد يكون هذا مبرراً على وقع صدمة النشور بعد الموت، ولكنه ليس مبرراً على الإطلاق لمن كان في تجويف رأسه ولو نزر دماغ، فالمنتصر الذي يسابق للعفو لا يرتكب الجرائم فضلا عن كونه لا يحتاجها، والحقيقة أنّي لست في موضع الدفاع عن الدولة السورية، فالعقل السويّ لا يستسيغ وضعها في قفص الاتهام من الأصل فتحتاج لمدافعين، بل على العكس تماماً، فهي في منصة الشرف التي تستوجب الانبهار، فمن يكون في مواجهة الغرب المتوحش بجشعه، وفي مواجهة كيان الإرهاب والإفساد الإقليمي والدولي"إسرائيل"، ليس متهماً إلّأ بالزيادة الطافحة بمنسوب الكرامة والإباء، في زمنٍ أصبحت فيه المبادئ والمُثل العليا والتشبث بالحقوق جزءً من تراثٍ لا يسعى أحدٌ لإحيائه.

 

بعد تغريدات ترامب مباشرة، كان هناك صورة مختلفة تماماً عمّا يروجه إعلام النفط وإعلام الغاز ومن لف لفهم، فالصورة التي حاول ترويجها هذا الإعلام، هي الرعب والذعر الذي أصاب الجميع في سورياً شعباً وجيشاً وقيادة، ولكن الحقيقة على النقيض من ذلك تماماً، فعلى المستوى الشعبي انطلقت حملات السخرية والسخرية الفاضحة أحياناً، وهذه السخرية ليست على المستوى السوري فقط، بل امتدت لكل الشعوب التي آمنت بالحق السوري والنصر السوري، وهذا على عكس الجماهير التي نصّبت ترامب هُبلاً، فكانت أعصابهم في حالة تآكلٍ مقيم، وأمّا على المستوى القيادي السوري والرسمي،  فكان الرئيس الأسد يستقبل زواره بالشكل المعتاد وحسب البروتوكول المعمول به، فبعد الشائعات "الإسرائيلية" عن هروب الأسد، كان الرئيس يستقبل أعضاء وفد مؤتمر وحدة الأمة من جميع أرجاء الوطن العربي والعالم الإسلامي، وظل يمارس عمله من مكتبه حتى في صباح يوم العدوان، مقابل هذه الاعتيادية التي تستبطن سخريةً لا تقل نكاية عن السخرية الشعبية، ، كان هناك ولا يزال هستيريا متوطنة في المعسكر المحرّض على العدوان، وهي هستيريا مفضوحة مهما تَقَنَّعوا بالتحليل السياسي، على شاكلة وساطة تركية لعزل الأسد مقابل وقف العدوان، أو إبعاد حزب الله وإيران أو اقتسام النفوذ،  والحقيقة أنّ هذه الهستيريا بحاجة لأطباء نفسيين وعقليين لا لتفنيد سياسي، وهي حالة تفاقمت بشدة بعد أن بانت عورة العدوان ووهنه.

 

إنّ ترامب على المستوى الشخصي يُحب أن يقول عنه الآخرون أنّه شخصٌ غير متوقَع، وقد يكون هذا بسبب خلفيته الاستعراضية، واعترافاً بالحقيقة فهو نجح في ذلك إلى حدٍ بعيد، ولكن هذه المرة لم يساورني الشك قط، بأنّ المواعيد التي ضربها للبدء بالعدوان ما كانت إلّا مثار سخرية، واعتقدت جازماً أنّ البنتاغون تفاجأ برعونة التغريدات والمواعيد مثلنا تماماً، وفتح مباشرة الخطوط الساخنة مع وزارة الدفاع الروسية لاستدراك هذه الرعونة الطافحة، وبالقطع أيضاً فبحجم الرغبة الأمريكية بتدمير سوريا وإسقاطها هو حجم عدم القدرة ذاته، كما أنّها بما فيها ترامب لا تريد بافتعال حربٍ لا تدري متى تصبح عالمية ونووية، والمأزق الحقيقي الذي حاول البنتاغون تجاوزه، هو التوفيق بين هيبة الإمبراطورية وبين التراجع عن التهديد الترامبي بالعدوان، فلم يُفلح إلّا بانتزاع يضع صواريخ أسقطت الدفاعات السورية أغلبها، ودون أيّ فائدةٍ عسكريةٍ أو سياسيةٍ إلّا بالسلب على المحور الأمريكي، فقد كانت كاشفة لمدى الوهن الذي أصاب أركان الإمبراطورية، كما أصبح تطهير التراب السوري من الأدوات الأمريكية بحكم الواقع، وانكشف ظهر القوات الأمريكية المتواجدة في الشمال السوري، كما قال مستشار القائد الأعلى للثورة الإيرانية قبل العدوان" إنّ أمريكا أعجز من البقاء في شرق الفرات"، وأمّا بعد العدوان فقد أمست أشد عجزاً، وكما قال السيد نصرالله قبل العدوان" نحن نعرف ما علينا فعله في حال وقوع العدوان"، وكان الرئيس الأسد واضحاً حيث قال" هذا العدوان لن يزيدنا إلّأ تصميماً على سحق أدوات دول العدوان الإرهاب"، وأخيراً فإنّ أكبر النتائج الاستراتيجية لهذا العدوان، هو أنّ "إسرائيل" بعد أنّ كانت تُمني النفس بإزالة الأسد وعبّرت عن ذلك على أكثر من مستوى، أدركت أنّها باتت وحيدة في مواجهة محور لم يعرف طعماً للهزائم.