لا تحمل الذاكرة الجمعية كثير من الانطباعات الإيجابية عن القمم العربية فمن قمة عربية تنادت لشرعنة ضرب العراق واجتياحه وتحويله إلى كومة من الخراب العمراني والسياسي والإنساني مرورا بقمة عربية رفضت إعطاء كلمة للزعيم الفلسطيني ياسر عرفات أثناء حصاره في المقاطعة حين كان مدفع الدبابة الإسرائيلية تطل من فوق سور حصنه الأخير.

لسنوات ظلت القمم العربية ومخرجاتها مادة للتندر لدى الفلسطينيين الذين يتعاملون مع بياناتها باستخفاف شديد لأنها عادة ما تأتي على القضية الفلسطينية بكثير من الشعارات التي تتبخر مع احتراق وقود طائرات الضيوف المغادرين كان الفصل الأهم الذي يكسر روتين اجتماعات تشابهت وخطابات تكرر نفسها هو الزعيم الليبي معمر القذافي وبعده فقدت القمم العربية حتى وصلتها المسرحية وسيطرت عليها رتابة مزمنة.

عادة لا تناقش القمم العربية قضايا الأمن القومي كما طالب الرئيس المصري مثل وهو يلمح إلى رفض إسقاط مؤسسات الدولة السورية والدول العربية أو لوجود الجيش التركي على حدود دولتين هما العراق وسوريا دون أن يسمي الجيش التركي بالاسم والذي اجتاح جزء من دولة عربية في عفرين أو حتى اعتداءا أميركا غربيا على سوريا كانت أدخنة صواريخه لا تزال تتصاعد أثناء القمة كل هذا يتم تجاهله ويجري التركيز على قضية واحدة تخص دولة واحدة نافذة هكذا هو الأمر.

يعرف الفلسطينيون أن القمم العربية أكثر ضعفا من أن تقرر في القضايا العربية وفي الواقع العربي أو المستقبل العربي ومن يتابع تلك القمم يعرف اتجاه هبوب رياحها ولا يتوقع الفلسطيني أن القمم العربية التي تجتمع منذ ستينات القرن الماضي ستصنع معجزة حل قضيته فالقمة العربية هي اجتماع لمجموعة الدول الضعيفة أي تجمع الضعفاء وهؤلاء ليسوا موحدين حتى ينتج عن هذا التجمع أية ممكنات قوة كما العجوز الذي كان يعلم أبناءه سر القوة قبل رحيله عندما طلب من كل منهم أن يكسر عودا ولكن حين طلب منهم تجميع الأعواد في عصبة كانت عصية على الانكسار فالأمر ليس كذلك لأن عيدان العرب تكسر نفسها.

ليبيا حاربها العرب لإسقاط الشرعية أما اليمن فيحاربها العرب لإعادة الشرعية وما بين هذه وتلك سقطت الدولتان وكذلك سوريا مأساة العرب التي حاربوها بما أوتوا من قوة ومال والآن تجتمع القمة لإدانة الإيراني ووجوده هناك وكأن هذا الأخير لم يكن النتيجة الطبيعية للتآمر العربي من جهة أو للغياب العربي من الجهة الأخرى

لقد حظيت فلسطين والقضية الفلسطينية بنصيب لا باس به في خطابات القادة وفي البيان الختامي وفي هذا ما يدعو للتفاؤل فقط لو أي منا يدرك أن ما جاء في البيان ليس أكثر من كلاما نظريا فالحالة العربية أكثر عجزا من أن تواجه حين يتعلق الأمر بإسرائيل وهو ما تكرر في قمم سابقة يتابعها الاسرائيلي مثلنا لكنه يفعل ما يشاء من النهب والسيطرة بمنتهى الاستخفاف بالعرب .

لكن الجمل الكثيرة و الطويلة التي تتحدث عن الأمن القومي العربي هو ما لا يمكن الحديث عنه في ظل الانقسام العربي القائم لان الامن القومي تعرض للطعن من قبل دول عربية بعينها قبل ان تبدأ التدخلات الخارجية التي تظهر حالة الوهن الى أبعد الحدود تذكروا ماذا قال رئيس الوزراء القطري السابق عن 40 مليار دولار دفعتها قطر والسعودية لإسقاط سوريا لكن "الصيدة فلتت" اما ليبيا فتذكروا كيف تجند المشايخ للمساهمة في اسقاط القذافي وفتاوي استباحة دمه حتى أن دولة خليجية قادت حلف الناتو لتفتيت ليبيا اما اليمن فالجميع يعرف أن الاصطفافات العربية غير المتوازنة هي التي اوصلته الي هذا الدمار منذ أن بدأ الحوار الوطني هناك وكان الحوثي مجرد جماعة تتظاهر على الأبواب مطالبة بإشراكها في هذا الحوار الذي رعته السعودية على أساس مذهبي ولم تتعامل مع الحوثي كجزء من الشعب اليمني .

ان حالة الضعف العربي والفراغ السياسي هو الذي أعطى لإيران دورا في المنطقة العربية وهي الدولة التي أشغل البيان نفسه كثيرا بها واذا كان الأمر كذلك فلماذا اسقطوا صدام حسين آنذاك ان كانوا حريصين على عدم التمدد الايراني ولماذا استهدفوا سوريا والأسد بدل أن يحتضنوه كما فعل الملك عبدالله يوما ما واذا كان الفعل العربي بهذا الشكل من العبث غير المحسوب فهل يمكن الثقة بمستقبل عربي للأجيال القادمة كما جاء في البيان؟

الأزمة أنه لم تعد هناك قضايا مشتركة تحظى بإجماع عربي فكل له مفهومه للأمن العربي والربيع العربي وللعلاقة مع اسرائيل وللأموال العربية وكافة القضايا التي تجعل الحديث عن قمة عربية وتوافق عربي وقضايا عربية هو حديث منفصل عن الواقع الآخذ بالتراجع ....انها قمة الأمة التي يقرر لها غيرها..

خاص نبـأ برس|| نسمح بإعادة النشر شرط ذكر المصدر.. يُحظر القيام بأي تعديل، تحوير أو تغيير في النص

[email protected]