رغم ما أبدته حركة "حماس" من قدرة على التكيف مع كافة الأوضاع المالية التي تقلبت عليها خلال الـ الاثنتي عشرة عاماً الماضية، ومواصلتها صرف نسبٍ مختلفة من رواتب موظفيها العسكريين والمدنيين في القطاع ، وتكيفها السريع أيضاً مع الخصومات التي طالت رواتب موظفي السلطة الفلسطينية المستمرة منذ قرابة عام، إلا أن استمرار  وقف صرف رواتب موظفي السلطة بغزة الذين يعيلون حوالى نصف مليون فرد، سينعكس سلباً على رواتب موظفي "حماس" بغزة خلال الأشهر القادمة، نتيجة لانعدام الجباية التي تشكل مصروفات الموظفين العمود الفقري لها، وفق ما يؤكده خبراء اقتصاديين.

الاقتصاديون أكدوا أن المنظومة المالية في القطاع تعمل وفق حلقات متكاملة مرتبطة بشكل كلي بدخل المواطن الذي يعد أحد حلقاتها الرئيسية، معتبرين أن انعكاسات وقف صرف رواتب موظفي السلطة الفلسطينية في قطاع غزة لن تقتصر على شل القدرة الشرائية في المحال التجارية والأسواق والأنشطة الاقتصادية وعجلة الإنتاج، بل ستمتد لتطال الواردات الحكومية بشكل كبير، خصوصاً إن ما يزيد عن 70% من قيمة الرواتب المصروفة، مرتبطة بالنفقات المالية التي تقدمها حكومة الوفاق للقطاع.

وتشير المعلومات التي حصلت عليها نبأ برس، أنه إلى جانب أموال الجباية التي توفرها الرواتب المدفوعة من رام الله، فإن باقي واردات "حماس" في القطاع، توفرها الضرائب على السجائر، إضافة إلى فارق السعر الذي يوفره بيع الوقود المصري في غزة، إذ يصل قيمة الفارق إلى 2.7 شيكل على كل ليتر، وهو ما يوفر إلى جانب السجائر، ما يزيد عن 20 مليون شيكل شهرياً.

وبالتزامن مع الغموض الذي يحيط بملف رواتب موظفي رام الله، علمت نبأ برس، إن السلطات المصرية رفضت إدخال قافلة من البضائع كانت تنتظر العبور من معبر رفح، على خلفية التوتر الذي تشهده العلاقة بين المخابرات المصرية وحركة حماس.

وعلمت "نبأ برس" من مصادر خاصة، أن مالية غزة قررت صرف رواتب موظفي "حماس" يوم الخميس المقبل بنسبة 40%، وهي نسبة اعتادت على صرفها للموظفين بغزة خلال السنوات الماضية ما يعني أنها لم تتأثر حتى اللحظة جراء وقف صرف رواتب موظفي السلطة بغزة، فيما أن الاختبار الحقيقي لعملية صرف رواتب موظفي "حماس" بغزة ستتضح معالمها في حال لم يتلق موظفي السلطة بغزة رواتبهم خلال الشهر القادم.

وفي ذلك، يرى الخبير الاقتصادي معين رجب، أن قطاع غزة يمر بظروف استثنائية تزداد صعوبة من وقت لآخر، المجتمع يعمل ضمن منظومة متكاملة وكل حلقة من حلقاته تعتمد على الأخرى، ولا شك أن أي خلل في أي حلقة للمنظومة الاقتصادية يؤثر على الآخر.

وبشأن سيناريو وقف صرف رواتب موظفي "حماس" بغزة علق رجب قائلاً "الوضع الاقتصادي سيزداد سوءاً وتدهوراً فهناك حاجات انسانية يومية لا بد من توفيرها لكل مواطن، فإذا لم يكن لدينا الأموال الكافية نلجأ للاستدانة، والإستدانة لها حدود، نلجأ للمدخرات إن وجدت، ونلجأ لبيع مقتنياتنا ولذا ستكون هناك أزمات كارثية متتالية حد الجنون".

ولا يمكن الفصل بين التحركات السياسية المرتبطة جوهرياً بالأوضاع الاقتصادية، وذلك على الرغم من قرار السلطة بوقف رواتب موظفيها بغزة الذي اعتبره مراقبون بمثابة بوابة للانفصال الكامل بين غزة والضفة، إلا أن حركة "حماس" تمتلك خيارات محدودة للخروج من عنق الزجاجة، ومن بينها مسيرات العودة، والتوجه لتشكيل "جبهة وطنية" من الفصائل والقوى، لكنّ ذلك يبدو صعباً، في ظلّ حسابات القوى الوطنية والإسلامية الخاصة، وارتباط بعضها بـ"منظمة التحرير" التي يتحكّم بها الرئيس محمود عباس.

 

والأمر الآخر المثير للريبة، يتمثل في غياب القيادي المفصول من حركة "فتح" محمد دحلان عن المشهد السياسي، في ظل وقف صرف رواتب موظفي السلطة بغزة ما يطرح الكثير من علامات الاستفهام والتكُهنات، خاصةً في أعقاب سلسلة لقاءات جمعت بين تيار "دحلان" في القاهرة وقيادة حركة "حماس" مؤخراً.

وفي ظل الأنباء التي تشير إلى أن وفد من حركة "حماس" سيصل الثلاثاء إلى العاصمة المصرية القاهرة، لبحث عدة ملفات بشكل مفصل، وهو ما يرجح احتمالية عقد لقاءات مع وفد حركة "فتح" الذي سيتواجد في اليوم نفسه، فإن كافة السيناريوهات مفتوحة خاصةً في ظل "التكتم الشديد" الذي تمارسه حركة "حماس" في أعقاب اجتماعها مؤخراً مع الوفد الأمني المصري بغزة والذي استمر لمدة 5 ساعات.