يبدو واضحاً أن المشهد الفلسطيني عموماً سيكون أمام تحول جذري كبير، خصوصاً بعد أن شارفت مرحلة الرئيس محمود عباس على الانتهاء، وتراجع دوره، عما كان عليه سابقاً على صعيد العلاقات الدولية، الأمر الذي يشرّع الأبواب أمام دول العالم، للبحث عن الفلسطيني الموجود والقادر على ضبط الحالة بما لا يضر بالمصالح الغربية المتقاطعة من السياسيات الإسرائيلية بكل تأكيد، هذا الحرص قدمته العروض الأوروبية المغلفة بمواقف بمبادرات حل الأزمات الإنسانية القائمة في القطاع. وهو الامر الذي فرض على حركة حماس التي أضحت معدومة الخيارات و القابعة في وحل أزمات غزة، على الخوض فيه، مع فرضية تقبل نتائجه.

ووفقاً لتقرير نشرته جريدة الأخبار اللبنانية، فقد همست الدول الأوروبية في أذن حماس من جديد،  وقدمت مقترحاً لإنقاذ القطاع من أزماته المتراكمة، للخروج من أزمة تعنت الرئيس في ملف المصالحة، العرض بحسب ما ذكرته "الأخبار"، يتضمن أن تتوكل دول أوروبية بإدارة شؤون غزة من الناحية الإنسانية والمعيشية، بما فيها صرف رواتب جميع الموظفين في القطاع  سواء التابعين للسلطة أو لحكومة غزة السابقة، شريطة  أن تحصل اللجنة الأوروبية على إيرادات القطاع كافة التي سيجبيها الاحتلال ويحولها للسلطة،  ولضمان موافقة إسرائيل، تتعهد الحركة بحسب المقترح، بضبط الحدود والالتزام بعدم التصعيد بأي عمل عسكري مع العدو في فترة أٌقلها 5 سنوات.

الحركة ردت على مقترح «الأمن مقابل الغذاء» الأوروبي، وفق ما أوردته الجريدة، برفض مبدئي، لكنها وعدت بدراسته ، وتقديم الرد في وقت لاحق، ومع أن وعود الحركة بدراسة المقترح لا تعني الموافقة عليه، لكن عدم إبداء الرفض القاطع للمقترح، يعني ضمنياً، أن الحركة تتدارس ليس المقترح بحد ذاته بل  المرحلة التي من الممكن أن ينقلها إليه الموافقة على  هذا المقترح، خصوصاً وأنه يقر تماماً باستبدال الرئيس محمود عباس، عن الواجهة الاقليمية، على ذلك، علق المحلل السياسي حسام الدجنى على المشهد العام للمقترح الأوروبي، بالقول : "لا يعيب دراسة أي مبادرة في ضوء تحليل البيئة الاستراتيجية المحلية والاقليمية والدولية والفرص والخيارات والبدائل بما يراعي مصالح المواطنين ومصلحة القضية الفلسطينية".

في غضون، نفي أعضاء المكتب السياسي لحركة حماس،  ما أوردته "الأخبار"، كما قال صلاح البردويل: " لا صحة لما تم تداوله حول عرض أوروبي لإدارة قطاع غزة من الناحية الإنسانية والمعيشية"، يمكن القول، إن مجرد اثارة الحديث عن المقترح الأوروبي، بحد ذاته، ليس بالأمر الهين، فأزمات غزة، تدخل يوماً بعد أخر في هوة أعمق وأكثر كارثية، وفي مقابل ذلك، تبهت صورة الرئيس محمود عباس، في المشهد الاقليمي يوماً بعد أخر، وهو الأمر، الذي عرف أن دول العالم: "بدأت تخاطب غرائز حماس وأشاحت النظر عن عباس"، فقبل يومين، وجه غرينبلات رسالة أخرى لحماس: " إذا تخلت عن العنف، ستبسط الولايات المتحدة و الدول أيديها لها"

وفي الخطوة الأمريكية، استجابة لطموحات حماس التي عبرت عنها في وثيقتها الأخيرة، وعلق رئيس المكتب السياسي السابق لحماس بالقول: "نمد يدنا للإدارة الأمريكية الجديدة"

حركة حماس التي لم تصدر بياناً حتى اللحظة ينفي بشكل جذري وجود مقترح أوروبي، تعرف حقيقة، انها الأن وصلت إلى تقاطع الطرق الأخير في مسيرتها  كقوة فلسطينية في المشهد، مؤخراً وعلى المقلب الأخر، من نفي البردويل، للمقترح الأوروبي، كان البردويل قد قال بما هو رد مباشر أو غير مباشر على رسائل غرينبلات الأخيرة: " إن حركة حماس مستعدة للحديث مع الإدارة الأمريكية، لتحقيق المكاسب الوطنية لشعبنا"، وأيضاً لم تصدر الحركة تعقيباً على تصريحات البردويل.

وهنا يمكن أن يفهم أن اندفاع حماس نحو خيارات الانتشال الدولي التي تقدم لها يوماً بعد آخر، لم يعد محل نقاش،  خصوصاً بعد وصول الأمر مع الرئيس عباس لاتخاذ إجراءات جديدة، ضد القطاع، التي تمثلت بالمساس برواتب موظفيه في غزة التي لم تصرف حتى اليوم، هنا، يضيف الدجني قائلاً: " أتوافق أن المبادرة تحمل في طياتها بذور الانفصال والوصاية الخارجية إلا أن من يتحمل مسئولية ذلك من أطال أمد الانقسام وفرض العقوبات ويدفع غزة لخيارات قد تكون خطيرة".

غير أن، دخول الإتحاد الأوروبي على الخط، ليس جديداً، بحسب المحلل السياسي ثابت العمور، إذ أن العلاقة بين  الحركة و الاتحاد الأوروبي بلورها القيادي أحمد يوسف قديماً، ما يعني أن  الاهتمام  بالحركة كـ بديل،  ليس اهتماماً لحظياً، بقدر أن هناك قراراً نافذاً باحتواء هذه الحركة، بعد أن تنكر الرئيس محمود عباس للاتفاقات الدولية، عقب القرارات الأمريكية الأخيرة، والنقطة الاولى التي مهدت ذلك، كانت وثيقة الحركة الناعمة الأخيرة، والتي كانت تخاطب دون مواربة الرأي العام الدولي.

ومع ذلك،  فإن النظر إلى نفي الاتحاد الأوروبي لطرح مبادرته، يعد "قصوراً في فهم السياسية الدولية" كما يقول المحلل السياسي ذو الفقار سويرجو، إذ أن من يقود حملة الاحتواء هو المبعوث الأمريكي جيسون غرينبلات، مضيفاً: " سواء صدق وجود مقترح أم لا إن الامر يتمحور حول اغراءات جرانبيلات التي طرحها الاسبوع الماضي و التي طالب فيها حماس (بنبذ العنف) و الاعتراف بالاتفاقات الموقعة مع اسرائيل مقابل حل كل مشاكل قطاع غزة الاقتصادية و الانسانية و معضلة الرواتب لموظفي السلطة و موظفي حماس".

ووفقاً لسويرجو، اذا ما استمرت عقوبات الرئيس، ومنع صرف الرواتب للموظفين، سيعمل الاتحاد الاوروبي بقيادة جرانبيلات، على اقتطاع اموال المقاصة و بموافقة اسرائيلية، وكل ذلك منعاً لانفجار غزة، وهو الأمر الذي سيزيد من العمر السياسي للرئيس"، مشيراً إلى أن، غرينبلات و الاوربيون، يحاولون عبر مقترحاتهم ورسائلهم، منع انفجار غزة، وعلى شكل مخصوص، منع الفعاليات المرتقبة  في 15 مايو لإجهاض الحراك، و في  الوقت ذاته، ممارسة الضغط على الرئيس عباس، عبر مغازلة حماس، للعودة للمفاوضات و قبول الصفقة الامريكية.