عند المساء، في طريق العودة، حين انتهيت من تغطية الجمعة الأولى من مسيرة العودة الكبرى "الدامية"، بأقدام مُثقلة من رعب الموت وحذاء مُغبر قصدت حفل زفاف أحد أصدقاء الطفولة، في لحظة الاحتضان همست له أن عدد الشهداء وصل 15 شهيدا. توسعت حدقة عينيه. لم نكمل الاحتضان المتعارف عليه، ولف رأسه سريعا  للمطرب الذي كان يحيي الحفل، صارخا "غني فلسطينيين، غني فلسطينيين، بدي سهرة وطنية لأقلب المسرح على راسكم".

جلست بين المهنئين بقلب باهت يعتصره القهر على الدماء مع حفنة العزة من موقف صديقي الذي أيقنت أن رغم الإحباط العام في صدر الشباب إلا أن أبجديات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لم تتبعثر. فصديقي احترم الدماء ولعن المطرب وكاد يلغي حفله لولا أن تداركه بأنه يجعله وطنيا.

ظننت أن ذرات العزة التي استشنقتها من صديقي العريس ستدوم طويلا؛ لكنها تلاشت صباح السبت من الجمعة الثالثة من مسيرة العودة الكبرى، حين انتشرت عشرات  الصور للشبان الفلسطيني من "معرض موسيقى فلسطين" في دورته الثانية الذي أقيم في رام الله.

في رام الله الشق الثاني من الوطن، حضر أربعة وعشرون فنّانًا وفرقة موسيقيّة عالمية من الهيب هوب، والروك، والبوب، والجاز، والراب، والموسيقى الإلكترونيّة، والسطْوَنَة، وأحيوا وعلى مدار ثلاث أيام عشرات الأمسيات، والمهرجانات، والمبادرات التي شهدتها أماكن تجمّعات الفلسطينيّين المختلفة.

هذا المشهد مُذل للكينونة الفلسطينية؛ فغزة على ثلاث أسابيع تواري في ترابها أكثر من 35 شهيدا بمختلف فئاتهم وأعمارهم بالاضافة لـ 3500 إصابة أغلبها ما زال يرقد على أَسرة المرض، فيما ترقص رام الله على دماء إخوتها وتريق النبيذ على الجثث.

إن الفنّ يعد ركيزة أساسية لثقافة البلدان، وصاحب النص العدو الأول للأفكار المتطرفة، ويدعو للانفتاح؛ لكن أن تخرج غزة لتثبيت حق العودة  ومآرب آخرى بدمائها فيما تقف شقيقتها الضفة المحتلة على زاوية المنزل، تنظر إليها، ترقص، تضحك، تتغنّج ، فهنا يجب الصراخ بملء الفم: "هنيئا يا إسرائيل".

مرة آخرى، لا مشكلة في الرقص والموسيقى والمهرجانات، ولكن التوقيت كان كارثيا؛ بل كان إنسحاقا تاما للضفة المحتلة، ألم يخطر في بال أحد القائمين أن يؤجل هذا الحفل احتراما لقدسية الدماء؟ المطرب الأردني عمر العبدلات لم ينتظر أحدا حينما أجل حفل روابي بسبب أحداث الأقصى وخاصة بما يعرف " معركة البوابات".

منبع الكارثة ليس بمن يقفون على بوابة رام الله – القرية المنفوخة- من قادة وزعماء، بقدر أن الإذلال كان من الشبان الفلسطينيين الذين لم تنبض في قلوبهم أي ذرة وطنية أو إنسانية على الأقل.

ميدانيا وسياسيا، في الحقيقة مسيرة العودة الكبرى حققت بعض الرسائل الداخلية وخارجية بشكل متوازٍ، لكن جزءا منها كان باهتا وبقدر كبير، والسبب في ذلك الخمول الذي عاشته مدن الضفة والقدس المحتلة في التعاطي مع هذا التحرك السلمي. لذلك كان الأَوْلى بدلًا من الرقص على الجرح الغزاوي أن يخرجوا ولو بشكل ضمني، لكن صدقا وبدون مواربة نجحت ( إسرائيل) في كي الوعي الفلسطيني، واستطاعت أن "تُسقط الشقيقة الكبرى" ممزقة الشرف.

 اخيرا  أترك لكم سؤالا مركبا مفتوحا: من أوصل الفلسطينيين لهذا الانسحاق، وكيف ستصحو الضفة؟! 

قبل الإجابة من أحدكم، في مشهد ثاني تزامنا في كتابة هذا النص، تابعت منشورات النشطاء بالضفة المحتلة حين وصل الزميل الصحافي المصاب احمد أبو حسين لمشافي الضفة المحتلة الذي فجر قناص إسرائيلي معدته في الجمعة الثالثة، كان الأمر أشد عارا من الرقص، إذ يطالب نشطاء الضفة – يسقط التعميم هنا- بإرسال الزميل أحمد (للمسلخ) والسبب لآن أحمد في منشوارته يعترض على  إجراءات رئيس السلطة محمود عباس ضد قطاع غزة.