إنّ العدوان"الإسرائيلي" على مطار"تي4"هو عدوانٌ مزدوج على كلٍ من إيران وسوريا، -هذا عدا عن كونه اعتداء على أمةٍ بكاملها لو كانوا بلا نفطٍ يفكرون-، وإنّ الردّ الإيراني لا يُسقط الحق السوري، كما أنّ الردّ السوري لا يُسقط الحق الإيراني.

في أيّ تقريرٍ تلفزيوني أو أيّ شريط مصوّر على مواقع التواصل، حين أرى الأسلاك الشائكة شمال فلسطين المحتلة مع كلٍ من لبنان وسوريا، لا تساورني إلّا صورة ذلك الشخص الذي سيكون صاحب الحظ الأوفر في جمع أكبر كمٍ منها، ونقلها على عربته التي تجرها دابّة لبيعها كخردة، وهذا التصور بالطبع لا يراود الخبراء في مركز"بيجن السادات"، الذين وضعوا عدة سيناريوهات للحرب بين"إسرائيل" وإيران على أربع جبهات، إحداها صاروخية بين "تل أبيب" وطهران بشكلٍ مباشر، وعلى الحدود اللبنانية والسورية وغزة، وقد خلصت لانتصار"إسرائيلي" محتم بحكم امتلاكها أسلحة نووية قابلة للاستخدام، وبغض النظر عن الإجرام الاعتيادي الذي تستبطنه وتظهره العقلية الصهيونية في هذا السيناريو النووي، فإنّه يفتقر للحقائق والوقائع الميدانية، فالكيان الصهيوني اليوم هو أضعف من الأمس، وفي الغد هو أضعف من اليوم، بمعنى أنّه أوهن من الوصول لمرحلة الشعور بالنهاية، فتراوده نظرية شمشون وهدم المعبد على الجميع.

أصبح الرد الإيراني على قصف مطار"تي4" أمراً حتمياً، ويظل السؤال عن توقيته ومداه ومكانه، والإجابة على هذه الأسئلة يؤدي للسؤال الأهم وهو عن النتائج المترتبة وردّات الفعل، فهل هناك ردٌ محتمل تستطيع"إسرائيل" ابتلاعه والاكتفاء بالتعادل، وهل هذا الرد القابل للبلع سيكون إيرانيّ التعمد أم "إسرائيليّ" الاعتبار، مع الأخذ بقطعيةِ أنّه لن يكون ردّاً من الحدود اللبنانية، وذلك لاعتبارات كثيرة على رأسها تصريحات السيد نصرالله حين جزم بردٍ إيراني مباشر، وأنّ"إسرائيل" ارتكبت حماقة لأنّها وضعت نفسها في مواجهة إيران اللاصغيرة واللاضعيفة واللاجبانة، هذا السطر يأخذنا-حسب فهمي على الأقل- إلى ضعف احتمالية أن يكون الرّد من الحدود السورية أيضاً، مضافاً إلى ذلك خصوصية الساحة السورية المتمثلة أولاً بالتواجد الروسي ليس كمانع ولكن باعتبار علاقته مع"إسرائيل"، وهو ما يمكن أن تتخذه ذريعة لعدم  الردّ على الردّ مقابل المطالبة بتنازلاتٍ سورية إيرانية، ثانياً هو أنّ الجبهات التي تتحضر سوريا لفتحها شمالاً وجنوباً لا تحتمل التأخير، كما أنّها لا تحتمل فتح جبهة الجولان في حال تدحرج الردود وخناجر الإرهاب وداعميه لا تزال في الخاصرة.

 مع هذا التصور تضيق خيارات جغرافيا الرد الإيراني، ويصبح من الأراضي الإيرانية حصراً، وهنا من الضروري استحضار كلمة السيد نصرالله، حين قال أنّ إيران ليست دولة جبانة، وإذا سلمنا بصحة هذه المقاربة فإنّ هذا يؤدي لاستنتاج أنّه ردٌ صاروخيٌ بعيد المدى، يستهدف مطاراً "إسرائيلياً" عسكرياً، بحكم أنّ ما استهدفته"إسرائيل" كان كذلك، وهذا السيناريو الذي لن يستبق بكل الأحوال موعد الانتخابات اللبنانية، ولا الثاني عشر من مايو/أيار موعد تجديد أو إلغاء الاتفاق النووي، وهذا الردّ سيتيح مواصلة استئصال الإرهاب في سوريا في ظل معادلة ردعٍ جديدة، تُخرج "إسرائيل" من المعادلة السورية نهائياً، خصوصاً في حال اكتفائها بنتيجة التعادل، حيث أنّ موازين القوى لا تسمح لها بغير ذلك، فترامب يتراوح بين الانسحاب الإرادي من سوريا وبين استجلاب قواتٍ عربية، وهو سيناريو لا حظوظ حقيقية له، بل مجرد صراخٍ لا يختلف كثيراً عن الصراخ في أروقة مجلس الأمن، في سبيل تحصيل تنازلاتٍ سياسية ليست في وارد أحدٍ من محور دمشق لا بشكلٍ جماعي أو منفرد.

 وبما أنّ إيران متمسكة بالاتفاق النووي، كما الولايات المتحدة كذلك متمسكة به بعيداً عن تهويلات ترامب، التي تستهدف الضغط على إيران كما تستهدف استمرار سياسة"الحلْب" التي يمارسها تجاه دول الخليج، حيث اعتبر بامبيو مرشح ترمب لوزارة الخارجية، في طريق سعيه للحصول على موافقة الكونجرس على تعيينه، أنّ هدفه تحسين الاتفاق لا إلغاؤه، وهذا يؤكد أنّ السياسة الأمريكية لا تتجه نحو تصعيدٍ فعلي، يتيح لـ"إسرائيل" الاعتماد عليها في مواجهةٍ مفتوحة مع محور المقاومة، وقد قال السفير الأمريكي السابق في سوريا روبرت فورد" إنّ إسرائيل تشعر بالإحباط لأنّ الإدارة الأمريكية لا تمد يد المساعدة ضد القوات الإيرانية في سوريا(...) تل أبيب لا يمكنها التعويل على المساعدات العسكرية الأمريكية المباشرة ضد الوجود العسكري الإيراني(...)وأنّه إن أرادت إسرائيل تنفيذ المزيد من العمليات العسكرية، فعليها الانطلاق في هذا المسار منفردة"، وهذا الرجل رغم أنّه خارج الخدمة لكنه أثبت في مناسبةٍ سابقة أنّه يعي ما يقول، لذلك فإنّ خيار "إسرائيل" المتاح هو ابتلاع الردّ الإيراني، ثم الاستكانة والمسكنة انتظاراً للمصير المحتوم.