جندي اسرائيلي اسمه اليئور أزاريا لا يمكن للذاكرة الفلسطينية الحبلى يالماّسي أن تخطئه أعدم العام الماضي الشهيد عبد الفتاح الشريف بينما كان مصابا ينزف على الأرض أمام الكاميرا في جريمة تشكل وصمة عار على الإنسانية،  يقوم نتنياهو يوم محاكمة ذلك الجندي بمهاتفتة والديه والأعراب عن تضامنه معهما وأكثر من ذلك قبل ستة أشهر يقوم  بالتوقيع على عريضة تطالب الرئيس الإسرائيلي رؤبين ريفلين بالإفراج عن الجندي القاتل.

في هجومه على الرئيس الفلسطيني على إثر خطابه في جلسة افتتاح المجلس الوطني اعتبر نتنياهو أن ما جاء في الخطاب هو "معاداة للسامية ينبغي إدانتها" رغم أن الذي تابع خطاب الرئيس يعرف أن ما تضمنه الخطاب من سرد تاريخي مكرر هو عبارة عن جزء من التاريخ الذي تضمنته الكتب والوثائق المعروفة للجميع وإذا كانت مسألة السلوك اليهودي في أوروبا محل جدل حتى الآن كان قد كتب عنها الكاتب المسرحي البريطاني الكبير وليام شكسبير في روايته " تاجر البندقية " والتي تحولت إلى فيلما سينمائيا.

هناك الكثير مما يقال عن الغيتو اليهودي في التجمعات الأوروبية وربما أن الانقسام الذي استنزف جميع الباحثين والكتاب والطلاب ورسائل الماجيستير كان على حساب إعادة دراسة اليهودية والحركة الصهيونية والتاريخ اليهودي وإسرائيل سواء لأن إنهاء الانقسام كان الأولوية الوطنية الاولى أو لأن الرأي العام أمام حالة العبث الفلسطينية وحالة السحق التي يتعرض لها من ذوي القربى جعلته لم يأبه أو يقرأ بما يتعلق بالشأن الإسرائيلي المهم أن مناخات الانقسام دفعتنا جميعا الى أولويات غير وطنية.

إن مصطلح معاداة السامية تستخدمه اسرائيل لتخويف كل من يعيد نبش التاريخ اليهودي من سياسيين ومثقفين بهدف إرهابهم ومنعهم من فتح صندوق لا تريد فتحه وتريد من الجميع إغلاق الكتاب عند صفحة المحرقة النازية وأن تتوقف الذاكرة عند تلك اللحظة التي تعطي إسرائيل امتيازا دائما بصورة الضحية التي تعرضت للإبادة ونجحت بمعجزة وتلك تريدها لإسكات معارضيها ولتبرير عملية التطهير العرقي التي صاحبت إقامتها، أن تطرد مجتمعا كاملا وتستورد مجتمعا جديدا مكانه أو لاستمرار ممارساتها غير القانونية وغير الإنسانية لنراقب كيف يقتل جيشها والمدنيين على حدود غزة.

السياسة لا تتعارض مع التاريخ بل هي ابنة شرعية له والتاريخ مفتوح للباحثين وإسرائيل تقف في وجه من يحاول نبشه لماذا " روجيه جارودي مثالا " و غيره طبعا ليس في سلوكها فقط اعتداء على العقل والبحث العلمي لأن هذه واحدة من مهماته بل أن سلوكها يكشف شيئا من الخشية من اكتشاف ما يعاكس الخطاب الصهيوني ويساهم في تفكيكه وتلك مهمة ضرورية بالرغم من حالة التحطم العربي وانزواء مراكز الدراسات أو تسخيرها لصالح الصراعات العربية باستقطاب المثقفين العرب لصالح خطاب الاصطفافات الإقليمية والمذهبية كما فعلت قطر في السنوات الماضية أو ربما حالة الانهيار الفلسطيني واستنزاف المثقفين الفلسطينيين في أتون الانقسام ولكن تبقى مهمة تعرية الخطاب الإسرائيلي مهمة وطنية قومية يجب أن تبقى حاضرة.

نتنياهو يتحدث عن الكراهية وخطاب الكراهية .. إنها نكتة سمجة لقائد دولة تمارس الاحتلال وهذا يشبه حديث اللص عن الفضيلة فكل هذا القتل الذي يمارس في الضفة وغزة وكل هذا التسيد على شعب وكل هذه الثقافة التي يتم تلقينها للطلاب اليهود في المدارس الإسرائيلية وكل هذه القوانين والتشريعات العنصرية التي يتم إقرارها وسرقة الأراضي اليومية وكل ذلك لا يقابل بأية ملاحقة لكن خطاب الرئيس الذي يمر على بعض وثائق التاريخ الدامغة يجعل جيسون غرينبلات لا ينام الليل قبل أن يدلي بدلوه رافضا غاضبا مستنكرا ، تلك واحدة من سخريات التاريخ الذي يضع الولايات المتحدة موضع المتهم في علاقتها بمنظومة القيم الإنسانية والتي تحاول أن تقدم نفسها بصورة مختلفة.

في إسرائيل تسود أجواء مخيفة من الكراهية وهذه لم يقلها أي فلسطيني بل كانت جزء من خطاب نائب رئيس الأركان يائير غولان عندما شبه الأجواء في إسرائيل بأجواء ألمانيا في بداية ثلاثينات القرن الماضي عندما ادت تصريحاته إلى أزمة انتهت بإقالة وزير الدفاع موشيه يعلون .. أما الكاتب غدعون ليف فهو لا يتوقف عن الكتابة عن اجواء الكراهية في إسرائيل ليس فقط تجاه الفلسطينيين الذي اعتبرهم قائد حركة شاس الأسبق الحاخام عوفاديا يوسف بأنهم حشرات وصراصير بل وأيضا تجاه اليهود العلمانيين.

في إسرائيل تنحو الثقافة أكثر نحو اليمين المتطرف الذي يحمل قيما عنصرية كما يصفها النائب أحمد الطيبي تحذر منها مؤسسات حقوق الإنسان هناك ثقافة خطيرة مستمرة من الايدلوجيا التي قسمت العالم في الصفحات الأولى لكتابها إلى قسمين أبني نوح ووصفت نسل اليهود من الأب سام من هنا لفظ السامية ووضعت العرب من نسل حام وبالتدقيق في الأسماء فإن كلمة سام من السمو والرفعة أما حام من حمأ الأرض وطينها أي وضعت العرب في مرتبة دينا مبكرا ومن هنا تحول ذلك إلى عقيدة وكلما ذهبت إسرائيل نحو اليمين تزداد ثقافة الكراهية لذا ليس مصادفة هذا التغول في السنوات الأخيرة على العرب قتلا وسرقة متوافقا مع تقدم اليمين هناك ....هذا يعرفه اليهود وأمثال جدعون ليفي وإيلان هيلفي الذي كتب عن دولة القبيلة وعن دولة الخزر وغيرهم لا يعرفه فقط الفلسطينيون وباحثو التاريخ ..!

[email protected]