في ليلة الصواريخ السورية كان العدو شديد الوضوح كما هو دائماً، ولكن الاصطفافات بدت أكثر وضوحاً كما لم تكن من قبل، وبعيداً عن المبررات المالية والواقعية السياسية يجب القطع بأنّ آل سعود بكل تحالفاتهم هم جزءٌ من العدوان، فالاصطفافات السياسية هنا ليست براغماتية بل موقف، والأسوأ أنّ تؤطر موقفك المناصر للعدو الصهيوني بموقفٍ أخلاقي، أيّ تحت ذريعة أنّ "النظام" يقتل شعبه وأنّ إيران تقتل السوريين، هنا تصبح معرفتك عن الأخلاق كمعرفتي العميقة بطرق تخصيب اليورانيوم، فالأخلاق بحاجة إلى الوعي وليس للإنصياع، والحقيقة لا أعرف أسباباً لتشويه الوعي الجمعي لهذه الأمة سوى النفط، فهذا النفط امتلك الأيدلوجيا والمال، وهذا بالضبط ما جعل السؤال في هذا العصر عن خنادق الاصطفاف بين سوريا و"إسرائيل" وإيران"وإسرائيل" وحزب الله و"إسرائيل" سؤالاً لا يكلف صاحبه حبل المشنقة، بل مجرد سؤال يحتمل كل الإجابات بما فيها التخندق مع"إسرائيل"، كما يقول كل النفط أنّه مع"إسرائيل"، وعلى سبيل المثال يقول عبد الرحمن الراشد"نحن مع إسرائيل في ضرب إيران وحزب الله وقوات الأسد، ولكن لسنا معها ضد الفلسطينيين"، ولكن هذا الراشد نفسه كما كل النفط هو مع"إسرائيل" في ضرب حماس مثلاً، باعتبارها ليست من الفلسطينيين الذين يقصدهم النفط، هو حتماً يقصد بالفلسطينيين أؤلئك الذين يصمتون ولا يتذمرون.

منذ ليلة الصواريخ السورية عمِل النفط على خطين رئيسيين، الأول هو عدم إنسلال العقل الجمعي لصالح العدالة وحقوق الشعوب والحقيقة، وإبقائه في حالة انصياعٍ تامٍ للغرائز والرغبات"الإسرائيلية"،  والثاني هو تضخيم حجم العدوان "الإسرائيلي" ونتائجه، وتقليل حجم الردود السورية التي تميزت بالدقة والمعرفة الاستخبارية، وذلك من خلال الإصرار على  تبنّي الرواية"الإسرائيلية، من عدد الصواريخ إلى حجم الأضرار وصولاً إلى المسؤول عن الإطلاق، فالنفط المتسبب الرئيسي بالغشاوة التي أصابت العيون لا يريد لها الانتزاع بل التأبيد، وهو يسعى بكل ما أوتيّ من آلةٍ أعلاميةٍ فتاكة، تفتك بالعقول والبصائر والضمائر، أنّ يجعل من الوجود الصهيوني في فلسطين أهون الشرور بل أدنى الخيرات، ويريد أن يجعل من المصالح الأمريكية والجشع "الترامبي" صراط الأمة المستقيم، فحين يصرّح وزير خارجية البحرين بأنّ لـ"إسرائيل" الحق في الدفاع عن نفسها وضرب مصادر الخطر، حينها يصبح تأييد ثورة البحرين مخرزاً في عين"إسرائيل"، لأنّه بهذا الموقف يبيح دم كل من يرفض وجود"إسرائيل" أينما وجد، فغزة مصدر خطر والضفة مصدر خطر وفلسطينيي الداخل المحتل مصدر خطر، والمخيمات أينما وجدت مصدر خطر، والفلسطيني أينما وجد مصدر خطر كما كان محمود المبحوح مصدر خطر، وكما كان فادي البطش مصدر خطر.

بعيداً عن زبد النفط وغثائه الذي أظنّه سيذهب جفاءً مع الطلقة الأولى في حرب الزوال، فإنّ هذه الحرب هي أقرب ما تكون لعين اليقين، حيث تصطدم الآن كل مسارات محاولة تجنبها بجدار الحقائق الصلب، فهناك"إسرائيل" التي انتهت أوهامها بإقامة دولةٍ فاشلة في سوريا، يدير قرارها النفط ويحدد لها أعداءها الغاز، بل على العكس تماماً حيث أصبحت سوريا دولة قوية كما لم تكن من قبل، وأصبحت خرائط القرن الجديد تنتظر التوقيع في قصر الشعب، وهنا محور عنيد يصرّ على تذكيرها يومياً بهواجس الزوال المقترب رويداً رويداً، فـ"إسرائيل" لن تقبل بخطٍ استراتيجي مفتوح، من طهران إلى بيروت مروراً ببغداد ودمشق وصولاً إلى الجليل وغزة، بكل ما يحمل هذا الطريق من حممٍ بركانية لن تصب في النهاية إلّا في "تل أبيب"، وما فعلته الصواريخ السورية الخمسين كرزمةٍ أولى، من حيث دقة الإصابة والعلم المسبق بالأهداف وفشل القبة الحديدية في صدها، وذلك بعكس تصدي الدفاعات السورية للصواريخ"الإسرائيلية" بنجاعة وملاحقة الطائرات "الإسرائيلية" حتى عكا، يجعل من قادة العدو أكثر توجساً على المصير وأكثر إصراراً على توريط الولايات المتحدة في معركةٍ مباشرة، يكون عنوانها الأبرز إيران، وهنا نستذكر كلام السيد نصرالله عن انتهاء حرب الوكيل والبدء بحرب الأصيل، كما صرّح بالأمس الرئيس الأسد بأنّ الأولوية الآن للقضاء على الإرهاب-الوكيل-، وبعدها سنبدأ بحرب الأصيل –القواعد الأمريكية والفرنسية والبريطانية على الأراضي السورية.

يقول مستشار جورج بوش الإبن" ما يهمنا هو مصالحنا ومصالح إسرائيل، وليس ما تقوله منظمة حظر انتشار الأسلحة النووية عن إيران والتزامها"، ويقول جون بولتون مستشار الأمن القومي الأمريكي" لا يوجد قانون في هذا الكوكب أسمى من الدستور الأمريكي"، بمعنى أنّ هذا الدستور هو الحكم بين أمريكا والعالم وليس القوانين والأعراف الدولية، والمصالح الأمريكية و"الإسرائيلية" اليوم تقتضي تهشيم إيران وتمرير صفقة القرن وحلب دول الخليج النفطية، وحسب الدستور الأمريكي فلا شئ يمنعها من ذلك، وقد بدأت الآن حملة دبلوماسية أمريكية"إسرائيلية" للمطالبة بخروج إيران من سوريا، واعتبار هذا الوجود تهديداً للأمن والسلم الدوليين، وبما أنّ هذه الحملة ستبوء بالفشل نظراً للتوازنات داخل مجلس الأمن، فمن الصعب توقع انفراجاتٍ دبلوماسية مهما أوتيت موسكو من أحاييل المناورات السياسية، ولكن يبقى السؤال عن توقيت هذه الحرب ومن سيطلق شرارتها، والأرجح أن تنطلق عن طريق الخطأ، عبر انزلاق معركة متعمدة إلى حربٍ غير متعمدة، لأنّ لا أحد يريدها رغم أنّ الجميع يتمناها.