حين يتحدث صحافي فلسطيني عن نكبة شعبه، فليس من المستغرب أن يكون الصحافي ذا صلة في الموضوع الذي يعالجه، ومعد التقرير هو لاجئ من مدينة المجدل المحتلة عام 1948 يقطن حتى صياغة هذا النص، في مخيم جباليا شمال القطاع، كتب هذه المقالة تحت سقف من الألواح الحديدة يغطي منزلا بسيطاً أعطته وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين "الاونروا"  لجده أحمد عام 1952 إياه عوضاً عن منزله وبستانه في مدينة المجدل، حين هُجر قسراً على يد عصابات الهاجنا اليهودية، لذلك سيتحدث عن هجرة عائلته قبل سبعة عقود قبل أن يترك المساحة لكبار السن الذين عاشوا فترة الهجرة وما زالوا على قيد الحياة يحلمون بيوم العودة، باعتباره حق كفلته لهم كل الشرائع الدولية والإنسانية.

 فجر يوم 14-5- قبل سبعون عاما، هرب أهالي مدينة المجدل إلى شاطئ البحر للنجاة بأرواحهم  من القنابل الإسرائيلية التي كانت تسقط على منازلهم ، سقطت الشابة مريم -التي ستنجب خلال ساعات  طفلها  الأول-  ارضاً من شدة التعب.

  اسعفها زوجها "أحمد" بقليل من الماء، استجمعت مريم قواها، ومع اشتداد حدة القنابل أجمع الأهالي على ترك المدينة  والسير جنوبا نحو مدينة بيت لاهيا.

يدخل اليوم الثاني ومريم تسير بصحبة زوجها، والشمس تصدّع رأسيهما، والتعب أنهك جسديهما، وما لم يكن بالحسبان أن ينفد الماء، بقيت المرأة الحامل تسير لـ 8 ساعات في وجه الشمس وبدون ماء.

  في نهاية ذلك اليوم الشاق، انتهى بهم المطاف في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة. فيما لم تنجب مريم حتى اللحظة جنينها.

في البداية، صنع أحمد بيتًا من سعف النخيل على أطراف دير البلح؛ ليستر زوجته وطفله المنتظر, وبعد أيام قليلة رُزق بمولودة أطلق عليها اسم "هاجر "، ليكون لاسمها نصيب من قصة المعاناة التي عاشها والديها.

وانتقلت العائلة  في عام 1952  للعيش في مخيم جباليا لللاجئين، الذي أقامته وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، وانجبت مريم بعد هاجر، 7 أخرين، من بينهم الحاجة هنية " 69 عاما" التي جاءت بعد النكبة بعام.

مات الجد أحمد في السبعينيات بمرض السل، ثم توفيت مريم في التسعينات وابنتها هاجر بعد 20 عاما، فيما مازالت "هنية" على قيد الحياة تعيش في ذلك المنزل تطالب بحق العودة، فيما تؤكد أن استمعت لقصة الهجرة من والدتها مريم أكثر من 30 مرة، :" سأحكى قصة عائلتي لجميع أحفادي،  فنحن سنموت ولكن صغارنا لن ينسوا".

والنكبة هو مصطلح يرمز إلى التهجير القسري الجماعي عام 1948 لأكثر من 750 ألف فلسطيني من بيوتهم وأراضيهم في فلسطين، وتمثلت في نجاح الحركة الصهيونية -بدعم من بريطانيا- في السيطرة بقوة السلاح على القسم الأكبر من فلسطين وإعلان قيام إسرائيل.

 الحاجة هنية لأنها مصابة في إلتهاب الكلى  لا يٌمكنها هذا الأمر من المشاركة في مسيرة العودة الكبرى التي ستنطلق تزامناً مع الذكرى الـ 42 ليوم الأرض للمطالبة بحق العودة ، تقول :"  لا استطيع المشاركة في هذه المسيرة، ولكن كل ما سأفعله الدعاء وادعو ابنائي وأحفادي للمشاركة".

وبدأت مسيرات العودة بـ 30 مارس الماضي، حيث يتجمهر آلاف الفلسطينيين ب 5 مواقع قرب السياج الفاصل على حدود قطاع غزة، للمطالبة بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى قراهم ومدنهم التي هجروا منها عام 1948.

ومن المقرر أن تصل فعاليات مسيرة العودة ذروتها في 14-15 مايو/ أيار الجاري (الذكرى الـ 70 للنكبة) وما يُعرف بـ"قيام إسرائيل"، تحت اسم "مليونية العودة".ويقمع الجيش الإسرائيلي تلك الفعاليات السلمية بالقوة،  وثد أعلنت وزارة الصحة، مساء الأربعاء، الاحصائية التراكمية لاعتداءات الاحتلال الإسرائيلي بحق المشاركين في مسيرات العودة شرق قطاع غزة منذ 30 آذار وحتى اليوم، مخلفة 47 شهيدا.

حين دفنت رضيعها

كانت  الشابة هادية الداعور "24 عاما" تتجول كالعادة بصحبة أخواتها وجارتها من الفتيات في "بيارة" أي بستان والدها بين أشجار البرتقال والزيتون التي تبعد عشرات الأمتار عن باب منزل عائلتها, وبين ذراعيها طفلها خضر الذي أبصر النور حديثًا.

 انهت الأم جولتها بعد ما بدأ قرص الشمس ينحدر إلى المغيب, وتوجهت ومن معها لمنزل والدها  محمد تتنظر عودة زوجها خميس "26 عاما" من عمله, وعلى حين غرة دخلت الطائرات الإسرائيلية سماء بلدتها  هربيا, ترمي بصواريخها في كل مكان .

وهربيا هي قرية تقع شمال غزة على بعد15 كيلومتراً منها تمتاز بزراعة الحمضيات، تحيطها قرية الخصاص والجورة وبربرة من الشمال، والمعروف عن أهلها أنهم يتحلون بطيبة القلب والبساطة، وترتفع حوالي 25 مترا عن سطح البحر.

وبالعودة إلى تفاصيل القصة, أخذ والد هادية بالصراخ مطالبًا الخروج من المنزل والتوجه إلى منطقة الأحراش التي تبعد مئات الأمتار عن مكانهم، في محاولة النجاة من الهجمة (الإسرائيلية) الشرسة.

خرجت العائلة بخفي حنين، وساروا على وقع أصوات القذائف وعويل جيرانهم إلى طريق الأحراش حيث تسكن هناك الظلمة والبرد والخوف.

لحق خميس بهم، وأجسادهم  طوال ليل تتراقص من شدة البرد لا ماء ولا طعام يخففا حدة خوفهم , أما المولود الجديد خضر الذي ظهره وجهه شاحبًا, وبان عليه المرض، لتكتفي أمه بضمه بين ذراعيها الباردتين.

بعد ساعات من الألم والخوف والبرد والجوع بزغت الشمس بوجه خجول, لتعود العائلة مسرعًة إلى  منزلها وتجد فيه الدفء ليسدوا رمق أطفالهم وأنفسهم, استعداد لليلة أخرى باردة.

بقي حال العائلة وعشرات العوائل ممن يجاورهم لمدة أسبوع، يهربون عند مغيب الشمس إلى الأحراش وعند طلوعها يعودون إلى مضاجعهم.

ليلة الهجرة

وفي ليلة لم يكن قمرها حاضر اشتّدت أصوات الانفجارات الناتجة عن الطائرات (الإسرائيلية) وتقدم الأليات العسكرية, التي تمركزت على حدود البلدة.

بدأ الرعب يتغلغل في قلب العائلة التي تلجأ بين الأشجار من كبيرها وصولًا لصغيرها, واشتد مرض المولود الجديد خضر بفعل البرد القارس.

لم يحتمل الطفل أصوات الانفجارات, والظلمة والبرد فمات بهدوء ودعته أمه بحسرة, ليدفنه والده  بين الأشجار الصغيرة على عجلة, وقرر والد هادية أن يتركوا البلدة وما في منزلهم متوجهين إلى وسط غزة لينجو بحياتهم.

طلب زوج هادية أن تذهب مع عائلتها, واعدًا إياها أن يأتي إليها ويأخذها, سارت العائلة  مع  دخول الساعات الفجر الأولى، باتجاه بلدة بيت لاهيا الواقعة شمال القطاع.

طول الطريق اجتاحت الدموع وجه هادية, التي لا تعرف سببها هل على زوجها الذي فقدته, أو على مولودها الذي مات من شدة البرد, أو على منزلها و بستان والدها والخيرات التي تركوها.

وصلت العائلة إلى وسط مدينة غزة, بعد مسيرة  يوم كامل تعنون بالجوع والعطش والرعب, واستقروا في منزل خالهم  إياد الذي ترك البلدة قبل سنوات وذهب للتجارة وسط المدينة.

يوم تلو الأخر وزوج هادية لم يعد, زادت الزوجة من حسرتها وقلقلها, وبعد قرابة أسابيع ثلاثة هلهل الزوج إلى منزل خالها, وأخذها شرق حي الزيتون وبنى كوخ من الطين وعاش لعامين, قبل أن ينتقل إلى مخيم جباليا.

هادية التي تجاوز عمرها اليوم 94 عاما تقول وهي تستذكر هذا يوم نكبتها: "يوم أسود حين هجرت من بلدتي ومات طفلي وفقدت زوجي, أتذكر ذلك اليوم كما أراك أمامي الأن".

ولاتزال الحاجة هادية تعرف مواعيد حصد الزيتون والبرتقال والعنب رغم كبر عمرها, وتضيف: " لو ضلينا في بلادنا ومتنا فيها كان أفضل من هالحال".

أنجبت هداية، صابر وجابر وأربع بنات, انتقلوا للعيش في الأطراف الغربية من مخيم جباليا، مات زوجها مع بداية الثمانينات , ووصل عدد أحفادها الأن قرابة الثلاثين.

رغم أن الحجة هادية، لا تقوى على الحراك، إلا أنها تُصر على المشاركة في مسيرة العودة الكبرى في ذكرى النكبة، فقد جهزت ثوبها المطرز، واخرجت الصندوق الذي تخبء فيه مفتاح منزلها التي تتمنى العودة إليه. وبهذا ستكون أول مرة ستشارك بها العجوز في مسيرات العودة الكبرى.

 تقول العجوز : " راح أشارك مع احفادي وأولادي بمسيرة العودة الكبرى (..) هربيا ما بتروح من بالي.. نفسي أرجع عليها ولو يوم واحد".

أكبر مسن في هوج

  صحيح أن اللاجئ الحاج فوزي حلاوة " 99 عاما" يسير على كرسي متحرك وفقد نسبة كبيرة من حاسة النطق والسمع، إلا أنه أقوى بئسا من الحاجة هادية فهو شارك في جميع مسيرات العودة الكبرى، ويصر أيضا على المشاركة في الجمعة المنتظرة.

اللاجئ حلاوة من بلدة "هوج المحتلة" – أكبر مسن في هوج-  الذي حولها رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إلى حضيرة لأبقاره الخاصة، تظهر ملامح الكبر بشكل واضح على وجهه، يعاني من الشوق والبعد عن الحضن الدافئ، ذاكرته تحتفظ بالكثير من المواقف التي لا يمكن أن تمحى من ذاكرته، رائحة العنب الفوّاحة، وخبز الطابون اللذيذ، هذه المواقف خالدة في ذاكرته.

يقول  الحاج الذي يسكن مخيم جباليا غرب غزة بكلمات متقطعة :" شاركت في مسيرة العودة الكبرى، شفت المستوطنات، والحدود، وشميت ريحة بلادي من مكاني، كان شعور أعادني لمرحلة الشباب".

كان عمر الحاج فوزي 29 عاما وقت أن باغتتهم عاصابات الهاجانا، وذخيرة الثوار آنذاك كانت عبارة عن بنادق لا تحتوي إلا بضع رصاصات، والاحتلال لديه القنابل والأسلحة الرشاشة "المعادلة صعبة" وفق قوله

قرية هوج تبعد على مسافة 18 كم شرق غزة, وكان أول من سكنها عائلة النجار من الشجاعية, وبلغ عدد سكانها عام 1945 حوالي 810 نسمة, هدمها اليهود سنة 1948م, وأنشأوا مستعمرة دوروت وجيفيم, وسميت القرية بهذا المسمى نسبة لملك طبريا الذي أخذه السلطان صلاح الدين الأيوبي أسيرًا سنة 1179م.

يطلب العجوز من أحد أطفاله دفعه إلى الحمام استعدادا لصلاة العصر وقبل أن يختم حديثه :" عندي أمل إني أشم تراب بلادي وأندفن بالهوج، وهادي البلاد أخرنا نعود إلها".