اليوم الثاني من الإضراب، كلٌ شيءٍ متوقفُ في غزة، سوى الحزن يستمر في تمدده مع تصاعد عداد الشهداء، نهار أمس على دمويته حمل العديد من المواقف الإنسانية والبطولية التي ستتحدث عنها الأيام، في وقت ما ولأجيال ما، ولآن ما تبقى لأهل غزة سوى التاريخ.

قبل بدء ساعة الصفر في يوم الاثنين 14/5، ليس كما بعدها، بعد العاشرة صباحاً، أضحت الشوارع خالية سوى من السيارات التي تنقل المواطنين نحو الحدود الشرقية للقطاع، وعلى بوابة ملكة شرق حي الزيتون – إحدى مناطق مسيرة العودة الرئيسية- لن يكون مفاجئاً رؤية شرطة المرور تقوم بمهمتها في حفظ النظام، إذ أن المدن والمخيمات انتقلت إلى الأطراف

.

ملكة الجديدة

في مخيم ملكة، ستشاهد تغيراً في المشهد عمّا كان عليه في أيام الجمع الأولى، جداريات جديدة تمجّد حق العودة، صور جلدية كبيرة لشهداء العودة والشباب المتظاهرين، عربات البيع خُصص لها مكان، خيمة النساء التي كانت على يمين المدخل تقدمت نحو 500 مترا للأمام، وأصبحت تبتعد عن السياج الفاصل 700 مترا، هنا تقف مروة ابنة الـ "24 عاما" وهي في هذه المرة لم تحضر رضيعها "زين"  الذي انجبته قبل 3 شهور، تقول الأم الجديدة :" اليوم راح يكون يوم الغضب، ما بدي يعيق حركتي"، لم يفهم حديث الأم التي تخرجت من كلية الحقوق في جامعة الأزهر لتكمل :" هناك دعوات للاقتحام بشكل سلمي، لو اقتحموا الشباب بإذن الله راح نكون خلفهم".

الشابة مرة أو " أم زين" -كما تحب أن تُدعى- هي أخت لشقيقين استشهدا في حروب غزة السابقة؛ لذا فإن لها كامل الحق في أن تقول وتفعل ما تشاء مع المحتل، كما رأت صديقتها إسراء، التي كانت تقف إلى جانبها وهي تغطي جبينها بشريط طرز عليه العلم الفلسطيني.

نقطة الإلتحام

في مقدمة مخيم العودة، على بعد 250 متراً من الشريط الفاصل، مقابل الشبان، نصب الجيش الإسرائيلي قرابة 12 خيمة يجلس فيها القناصة، في كل خيمة قرابة الـ 6 جنود إسرائيليين يصوبون القناصة باتجاه الألاف من اللاجئين الذي جاؤوا يطالبون بحقوقهم.

هذه المرة يطلب الشاب عبود من ياسر عدم التقدم أكثر، إذ قال: " شوف لك جورة خلينا نريح فيها، وبعدها بنكمل". مهمة الشابين مساعدة رجال الإسعاف في نقل المصابين خاصة في أول الأمتار من السياج.

أشعل الشابين السجارة وتبادلا أنفاسها، قبل أن يؤكد أحدهم أن محاولات الاقتحام تكاد أن تكون شبه مستحيلة بسبب كثافة النيران من منطقة ملكة كذلك خلف الجنود  هناك عشرات من الأليات العسكرية  تختبء خلف التلال.

انقطع الكلام  مرة واحدة ، حين ركض مجموعة شبان اتجاه السياج، بدقائق تمكنوا من قطعه، دخلوا في المتر الأول، اطلقت القناصة الإسرائيلية النار عليهم بعد ما احاطوهم بغاز الأعصاب، بعد عشرة دقائق من الحادثة تمكنت الطواقب الطبية من نقل جثماني شابين من المجموعة فيما نقلت باقي المجموعة مدرجين بدمائهم ولم يعرف طبيعة إصابتهم.

وأسفرت التظاهرات عن ارتقاء أكثر من 60شهيدًاً، فيما جرح أكثر من 2771 آخرين، بحسب أحدث إحصائية لوزارة الصحة بقطاع غزة.

يكمل عبود حديثه :" وبتقولي يا خال اقتحام، القصة صعبة، أصعب مما نتوقع، إذا عدينا السلك، شو بدنا نعمل مع الساتر الترابي والآليات" ؟

صحيح أن الإقتحام في منطقة ملكة كان عصيا على المتظاهرين، لكن في الحقيقة نقطة الالتحام كانت متوسعة جدا ومنتشرة على عدة زوايا في المنطقة. أكثر المشاهد التي اظهرت عجز هؤلاء المتظاهرين، حين ركض  مئات المتظاهرين بمختلف فئاتهم بجانب السياج، وفي الطرف الآخر ركض مئات المتظاهرين التقيا مع بعضهما في مشهد تلحمي اجبر الجميع على التهليلل والصراخ وكأن الاقتحام السلمي اقترب، ولكن كثافة النار من سلاح مجندة واحدة، كان يقول أن الفاتورة التي سيدفعها "الكف" في مواجهة "المخرز" أكبر يفوق حجم الإنجاز الذي يمكن تحصيله، فيما أكمل بكاء الرجل سعود عكاشة وهو يوّدع ابنه، مشهد العجز، استجمع قواه ثم قال بصوت متقطع: " نحن عُجّز، دورنا خلص، والله خلص

".

شرق جباليا.. القهر سيد الموقف

إلى الشمال قليلا وتحديداً، شرق مخيم جباليا حين اقتربت الساعة الثالثة عصرا، لا يختلف المشهد في "أبو صفية" عن ما هو في ملكة كثيراً، نقطة الالتقاء، بين المتظاهرين، أن جميعهم لا يعنيهم ما تقوله ابنة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وهي تزيح الستارة عن رخامية السفارة الأمريكية في القدس، كان صدى المشهد، هو تعالي أصوات مكبرات الصوت التي ضجت بالتهديد والوعيد، وسط تفاعل المتظاهرين هناك، حينها بدأ المئات بالنزول إلى منطقة لا تفصلها عن السياج الفاصل سوى مائتي متراً؛ لكن سرعان ما تراجع الشبان لكثافة النيران.

ويأتي نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب للقدس تنفيذاً لقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي حدد الموعد ليتزامن مع الذكرى الـ70 لقيام "إسرائيل"، وهو تاريخ "نكبة" الشعب الفلسطيني.

أبو عويضة يُعد أحد زعماء المتظاهرين السلميين، ينظر للأمر من وجهة نظره ويقول لأ مراسل نبأ:" نقلوا السفارة ايش طالعيين بأديينا نعمل، ما بنقدر نقدم أكثر ولا نعمل اشي، إلا لما تيجي وحدة الكوشوك لتعطي النا ساتر وقتها بيصير خير!".

فمنطقة تلة ابو صفية تختلف كثيرا عن ملكة فهي مفتوحة من كل الجهات، ومن خلال سياق حديث ابو عويضة أن هناك تكامل أدوار بين المتظاهرين ولكن يهمس لمعد التقرير:" بعرف أنه كله على الفاضي، ولكن راح تقول الأيام، غزة لحالها وقفت في مواجهة العرب ثم امريكا ثم اسرائيل".

المشهد هناك، مزيداً من أدوات القهر المتظاهرين ابتعدوا أكثر عن السياج، الجنود في وضعية مريحة، الأليات العسكرية في ذلك الوقت تقدمت  وقصفت عدة مواقع تقول الجماهير إنها نقاط رصد، المشهد في الحقيقة " غير متوقع" ليس من المتظاهرين ولكن الميدان خان الجميع.

وسط هذا المشهد كان يقول القيادي في حماس محمود الزهار عبر تلك السماعات :" شكرا لهذه الجماهير التي تقف بوجه الغطرسة الإسرائيلية والأمريكية(..) فلنحيي وحدة الكوشوك وقريبا ستكون هناك وحدة الاقتحام".

لم يفهم قصد الرجل، لكن من بين المعلومات التي وصلت لمعد التقرير أن ثمانية شبان حاولوا صباح الأمس اقتحام السياج من منطقة شرق بيت حانون، دخل الشبان في الأمتار الأولى قبل أن يرتقوا شهداء، وتحاول الجهات المتخصصة حتى اللحظة التواصل مع الصليب الأحمر لتحقق من مصيرهم.