على الحدود الشرقية  من شمال قطاع غزة يوم أمس،  احتمى الشاب محمد اللولو من رصاص قناصة الجنود الإسرائيليين، خلف ساتر رملي،  وراح يتفقد أدوات تصنيع مصدر القلق  الجديد للاحتلال، التي جلبها " ورق شفاف، خشب الخيرزان الخفيف،  بكرة من الخيطان" ردد اللولو وهو يمسك متفقداً بأدواته واحدة تلو الأخرى ثم يضعها مكانها، و أردف "الأن .. انتهينا من حيز الطفولة في الأدوات" وسريعاً، مد يده إلى الحقيبة المتوضعة محاذاته، فتحها و أخرج الأدوات التي بداخلها  "زجاجة ديزل، شبك حديدي، سلك، قطعة قماش، فحم".

وفي اللحظة التي انتهى فيها اللولو  21 عام من تفقد أدواته، كان محاطاً بثلاثة شبان، انكب واياهم على الأدوات،  لصنع  "الطائرة الورقية الحارقة"، التي أصبحت إحدى أساليب المقاومة الجديدة التي استحدثها الفلسطينيين خلال مسيرات العودة الكبرى السلمية، فتحولت بذلك الطائرة الورقية، من لعبة أطفال إلى  وسيلة مقاوم في أيادي الشبان الفلسطينيين،  مشكلة مصدر قلق كبير لجيش الاحتلال الذي يسعى لتضخيمها كـ تبرير لاستهداف مطقوها.

عقب انتهاء الجمعة الأولى من مسيرات العودة الكبرى التي انطلقت في غزة،  وما خلفت هذه الجمعة  بفعل قناصة الاحتلال من شهداء وجرحى،  عكف الشبان الفلسطينيين، على إختراع  أساليب مقاومة تحميهم من أعين القناصة وتحجب عنهم الرؤية، وفي الوقت ذاته، تشكل مصدراً مزعجاً ومكلفاً  للعدو، فكانت "إطارات الكوشوك" التي نجحت في  تشكيل ساتر دخاني كثيف، بين القناصة و المواطنين، وفشل الجنود في التغلب عليها بكل ما استعدوا من أدوات،  أول هذه الأساليب، ومن ثم انتقل الشبان من موضع  الاحتماء، إلى الهجوم، فكانت "الطائرات الورقية الحارقة"، التي لم تعد تغب عن المشاركة يوماً.

ألحقت الطائرات الورقية الحارقة، خسائر كبيرة بالاحراش والمزارع المحاذية للقطاع، وصلت وفق سلطة الضرائب لحكومة الاحتلال ما يزيد عن  مليون "شيقل" في أسابيعها  الأولى، بعد أن أحرقت أكثر من ألف دونم من أحراش المستوطنات، وهو الأمر الذي دفع  الكثير من المستوطنين، ممن طالتهم الخسارة،  للضغط على قادة  حكومة الإحتلال لوضع حد لهذا السلاح الذي استهزأ الإحتلال به في البداية واعتبر أنه فعل عفوي سينتهي،  حتى جعل جهاز الإطفاء الإسرائيلي في حالة تأهب على الدوام.

بالعودة إلى الشاب اللولو،  أحد مؤسسي مجموعة " أبناء الزواري"، كما يطلقون على أنفسهم، نسبة إلى الشهيد التونسي محمد الزواري،  الذي ساهم في تطوير وصناعة الطائرات بدون طيار التابعة لـ " كتائب عز الدين القسام" و اغتاله الموساد الإسرائيلي،  في مدينة " صفاقص"  التونسية بتاريخ 16‏/12‏/2016.

يقول اللولو لـ  "نبأ برس" " إن فكرة الطائرات الحارقة، بدأت في عقولنا، بعد أن انغمسنا في التفكير بوسائل تؤرق الاحتلال، أمام ما تفعله قناصة الجنود بنا، وحين نجحت أول تجربة باطلاق طائرة حارقة، ورأينا كيف  أدخلت هذه الطائرة الاحتلال  في حالة طوارئ مستمرة، أدركنا أنا هذا السلاح في هذه المرحلة، كنز بالنسبة لنا ".

تصاعد إستخدام الطائرة الورقية الحارقة، بالتحديد بعد ميلاد الجمعة الثانية من مسيرات العودة الكبرى، وخلال هذه الأوقات لا يمر يوم أو نصف يوم، دون أن تورد وسائل الإعلام الفلسطينية خبر جديد "حريق  واسع في الحقول أو مستودعات المزروعات المحاذية لقطاع غزة، بفعل طائرة حارقة"، خصوصاً أن صنع هذه الطائرة غير مكلف أبداً ولا يحتاج جهد جسماني أو مادي، " 20 دقيقة و 4 شواقل، تكلفة صنع طائرة" كما يقول عُديّ الجمل الذي يشارك صديقه اللولو صنع واحدة.

يشرح اللولو لـ "نبأ برس"، طريقة  صنع "الشعلة الحارقة" -  الإضافة المقاومة للطائرة الورقية المعروفة -   بالأدوادت التي ذكرت آنفاً "  نلف الفحم بقطعة القماش، ونضعه داخل الشبك الحديدي مع فحم في الخارج،  ثم نصب الديزل على الشبك وما بداخله، ونربطه في ذيل الطائرة بـ السلك و تكون بذلك جاهزة لاشعالها وإطلاقها".

عجزت قوات الاحتلال عن التصدي لهذه الطائرات التي باتت تطلق بزخم من جميع المناطق الواقعة على طول الشريط الفاصل بين غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة، فتخبط  الاحتلال في الرد محاولاً خلق رادع لمطلقو هذه الطائرات، إذ قصفت مدفعية الاحتلال نقاط مراقبة للمقاومة الفلسطينية على الحدود  رداً على الطائرات الحارقة، تارة، وذهب قادة حكومة الاحتلال  أكثر من ذلك تارة أخرى،  ففي تصريحات نقلتها القناة الـ12 الإسرائيلية، و نسبتها لمسؤول كبير لم تكشف هويته، قال "إن جيش الاحتلال سيتعامل مع إطلاق الطائرات الورقية تمامًا كما يتعامل مع إطلاق الصواريخ"، كما وحمل المتحدث باسم جيش الاحتلال أفيخاي أدرعي حركة حماس، المسؤولية الكاملة عن هذه الأفعال قائلاً " إن جيش الاحتلال ينظر بخطورة بالغة لاستمرار إطلاق الطائرات الحارقة".

إلى المنطقة الوسطى حيث يتخفى المصاب لؤي  الحواجري وثلاثة من رفاقه بعضهم من المصابين في احدى خيام معسكر العودة، وهم يجهزون مجموعة من الطائرات الحارقة، تمهيداً، لإطلاقها مرة واحدة اتجاه مزارع المستوطنين القريبة.

وكان الشاب الحواجري، قد  أصيب بطلق ناري في القدم خلال الأسابيع الماضية، عندما كان يستعد لإطلاق طائرة حارقة،  لكنه  رفض التوقف حتى بعد أن أصيب، خصوصاً أن هذه الطائرات باتت ملاذ  الشبان المصابين الذين يرفضون التغيب عن المشاركة في مسيرات العودة "لأنها لا تحتاج حركة كثيراً، يكفي التخفي عن أعين القناصة وإطلاقها من خلف ساتر رملي" كما يقول الحواجري 24 عام لـ "نبأ برس".

يضيف الحواجري الذي داوم   منذ  اسبوع على تجهيز الطائرات الحارقة  ليوم أمس " أصبحنا  هدف أساسي لقناصة الإحتلال، وذلك  لأننا صنعنا مصدر خوف كبير لهم، لهذا  نتستر، ونحن نصنع  هذه الطائرات وكذلك عندما نطلقها، لنفوت الفرصة  عليهم غي استهدافنا وبذلك نتمكن من  التصعيد أكثر في هذا المجال".

وأمام فشل الاحتلال في السيطرة على الطائرات الحارقة،  والجهد الحثيث المبذول لإيجاد وسيلة صد فعالة كما قالت حكومة الاحتلال، امتد أثر هذه الطائرات، وعمق نقطة وصولها، وكذلك ازداد عجز الاحتلال في السيطرة عليها، إذ استمرت حرائق في إحدى الأحراش إلى أكثر من 6 ساعات متواصلة، وتطلب السيطرة عليه أكثر من 10 سيارات إطفاء.

في غضون ذلك، بات مطلقو الطائرات الحارقة  هدف مشروع لقناصة الإحتلال، وفق  دعوات أطلقها  مستوطنين وتصريحات من قادة حكومة الاحتلال،   بل وذهب  وزير " الأمن الداخلي"في حكومة الاحتلال جلعاد أردان، إلى أبعد من ذلك،  إذ دعا إلى تصفية مطلقي الطائرات الورقية بواسطة طائرات الاغتيال بدون طيار، وهو الأمر الذي يدركه الشبان - مطلقو الطائرات – جيداً أن حياتهم باتت على المحك إن ظهروا في مهداف القناصة، لذلك يمارسون نشاطاتهم من خلف سواتر رملية أو مناطق غير مكشوفة وبعيدة قليلاً عن مدى رؤية الجنود.

في الميدان،  كل هذه التحذيرات التي يطلقها جيش الاحتلال ضد  مطلقو الطائرات، لم تنجح حتى في  إخماد تهليل الجموع  المشاركة حين ترى رفرفة ذيل الطائرة الحارقة، أو حتى منع  تبادل التبريكات حين يرى أصحاب هذه الطائرة  دخان القمح والمزروعات والمواقع العسكرية المحترقة يتصاعد أمامهم، و نجاحهم في إستحداث وسيلة  رفض وغضب،  أربكت الاحتلال، تحقيقاً للقاعدة التي انطلق منها "أبناء الزواري" وآمنوا بنجاحها " السماء تنصفنا دائما.