حتى هذه اللحظة، لاتزال قضية الشاب فتحي حرب الذي حاول الانتحار ليل أمس، في  شارع الجلاء، تستحوذ على حديث المواطنين سواء على منصات التواصل  الاجتماعي الافتراضية  أو على الواقع، ويستمر إلى جانب ذلك، تناقل الفيديو الذي نُشر أثناء محاولة المواطنين اطفاء النار المشتعلة في جسد الشاب.

 هذا الحادث أعاد إلى الواجهة ظاهرة الانتحار التي خبا الحديث عنها في ظل الانشغال بمسيرات العودة، إذ انشغل الشارع في في مناقشة الظاهرة، بعد أن شهد العام الجاري انخفاضاً في نسبة هكذا حوادث، خلافاً لما كان عليه العام الماضي 2017 الذي شهد ارتفاعاً كبيراً في حالات الانتحار.

وأمام صرخات الشاب، التي اعقبت سيطرة المواطنين على النار المشتعلة في جسده : " ولكم .. ينعن أبو الحكومة، ابعدوا عني"، بدأت نقمة المواطنين على الواقع المرير الذي يعيشه  سكان غزة، تبرز باندفاع أكثر،  ضد ما كان سبباً في  اتخاذ الشاب مثل هذه الخطوة، غير أن المتجمهرين الذين ركزوا سبب الانتحار على الأوضاع المعيشية والاقتصادية، هاجموا أيضاً كل من وظف الدين سريعاً لبيان حكم المنتحر في الإسلام، دون أن ينظر للأسباب التي أجبرت المنتحر على ذلك.

لا يخفى حجم انسداد الرؤية المستقبلية، و أفق التفكير الطبيعية، للشباب في قطاع غزة، وهو ما ينعكس سلباً على صعيد النظر إلى الخيارات المتاحة في حياة الشباب وإمكانية العيش بطموح طبيعي على الأقل،  وكل ذلك، يصطدم بالواقع السيء لغزة، ويرتد بأثر سيء أيضاً.

يقول  الشاب محمد الحواجري: " الناس محاصرين في كل مجالات حياتهم،  فش طموح لا بالخروج إلى السفر ولا التعليم ولا عمل، غير هيك، ما في  آفاق للحياة أوالزواج،  كل هذا وبنسأل شو إلي خلى الناس تنتحر".

وإلى جانب كل هذه التراكمات،  التي شكلت هالة مرعبة أمام كل  الشباب في غزة ، يضيف الحواجري: " ما في حد بيتحمل، إلى حاملينه المواطنين في غزة، وما في حد كان سبب غير حركتي فتح وحماس، في كل إلى بصير فينا".

غير أن مواطنين علقوا على الحادثة بالقول: " إن الإنتحار في غزة، أصبح وسيلة إعتراض واحتجاج على الواقع السيء في غزة".

يقول أحمد الحلو: " الشباب وغيرهم، صاروا اليوم ينتحرون لأجل ابداء حجم المآساة التي يعيشونها، وهو أمر أيضاً لم يعني لأي طرف من المتخاصمين فتح و حماس، شيئاً، أو حتى جعلهم يسرعون في تصدير المصلحة الوطنية على مصالحهم الخاصة".

وفي غضون الواقع الاقتصادي والمعيشي السيء لـ غزة، وهو السبب الرئيس الذي دفع الكثير  من الحالات للتفكير بالانتحار وكان الشاب الذي حاول حرق نفسه أمس واحداً منهم، هناك جانب نفسي قد لا يبدو من الجيد تهميشه، وهو نتاج مرحلة معيشية سيئة.

أبرز الأسباب النفسية بحسب  الدكتور محمد أبو السبح الإخصائي النفسي "الاكتئاب العقلي"، وهو مرض نفسي الذى يشعر بمقتضاه المريض أنه السبب في كل المآسي التي يعانيها ما يجعله يعتقد بأن وضع حد لحياته سيضع حدًا لعناءه أيضاً.

أما  ثاني هذه الأسباب وفق أبو السبح، فتعرف في علم النفس بـ "فقدان العقل" الذى يدفع المنتحر لإنهاء حياته كي يلفت نظر الناس إلى قضيته الشخصية أو العامة.

ويختم، قد  يبدو الحديث هنا، ليس مجملاً للأسباب  الإقتصادية أو النفسية، التي تدفع للإنتحار، لكن بالحديث عن غزة، يعني أنه من الضروري الإبتعاد عن عموم المؤثرات التي يتوافق معها الجميع، فحتى الأسباب التي يجمع عليها الخبراء والمختصون، قد تكون هامشاً أمام ما تحمله غزة.