لا يجوز أن تمر أي ذكرى للنكبة من دون استئناس، ولو عابر، بكتاب هنري كتن، "فلسطين في ضوء الحق والعدل"، الذي نشر بالإنكليزية في لندن عام 1969، وظهرت ترجمته العربية عن دار النهار في بيروت عام 1970، بتوقيع المصري وديع فلسطين. 

وكتن الذي ولد عام 1906، وتوفي في باريس عام 1992، من أسرة عربية مقدسية، ويُعدّ من كبار علماء القانون في العالم العربي. عمل في فلسطين قبل النكبة، وعايش أحداثها وآثارها بعدها، فكان ممثلًا لعرب فلسطين أمام الأمم المتحدة، بتكليف من الهيئة العربية العليا، في الدورة الخاصة لعامي 1947 و1948؛ وانتدبته جامعة الدول العربية عضوًا في وفدها الذي بحث قضية فلسطين مع الوسيط الدوليّ، الكونت برنادوت. وله مؤلفات قانونية عديدة. 

يجسّد الكتاب السالف، بالمعطيات الدقيقة، متطلباتٍ مهمّة لفهم معنى النكبة، لا تزال لها أولوية، من خلال إشارته إلى أن إسرائيل استولت في 1948 على ممتلكات نحو مليون لاجئ فلسطيني، المنقولة منها وغير المنقولة، مؤكدًا أن هذا النهب هو أكبر سرقة جماعية حدثت في تاريخ فلسطين. وحتى يخفي الإسرائيليون معالم هذه الفعلة سمّوها "استيعاب الأملاك المتروكة". ومثل هذه الألفاظ الخادعة لا تغيّر من طبيعة العمل، لأن ما سمي "الاستيعاب" لا يعدو كونه استيلاءً على ممتلكات الغير بلا وجه حق.

كما نقرأ فيه أن الممتلكات التي تركها العرب من أعظم العوامل التي ساهمت في جعل إسرائيل "دولة حيّة"، فإن ترامي مساحتها، وكون معظم المناطق بطول الحدود يتألف من أملاك للغائبين، جعلت للممتلكات أهمية استراتيجية. ومن المستعمرات اليهودية الجديدة التي أنشئت بين عام 1948 وأوائل عام 1953، وعددها 370 مستعمرة، كانت 350 منها على أملاك للغائبين. وفي 1954 عاش أكثر من ثلث سكان إسرائيل اليهود في ممتلكات الغائبين، كما أن نحو ثلث المهاجرين الجدد (250 ألف نسمة) استقرّوا في مناطق داخل مدن تركها العرب. ولقد تركوا مدنًا بأسرها، مثل يافا وعكا واللد والرملة وبيسان والمجدل و388 مدينة وقرية وأجزاء كبيرة من 94 قرية أخرى. وهناك عشرة آلاف متجر ومشروع ومستودع تركت في أيدي اليهود. ولدى انتهاء الانتداب، بلغت جملة مزارع الأشجار الحمضية في أراضي إسرائيل نحو 240 ألف دونم، نصفها كان مملوكًا للعرب. 

وبحلول عام 1956، كان هناك 73 ألف دونم بين أراض مزروعة أو صالحة للزراعة، وفي عام 1951 - 1952 أنتجت بساتين العرب السابقة مليونًا وربع مليون من صناديق الفاكهة، صُدّر منها 400 ألف صندوق. وزوّدت الفاكهة العربية المُصدّرة إلى الخارج دولة الاحتلال بنحو 10% من واردات العملة الصعبة الناتجة عن صادرات عام 1951. وفي 1949، كانت غلّة الزيتون من بساتين العرب التي تركوها تحتل المنزلة الثالثة في صادرات إسرائيل الرئيسية، بعد الحمضيات والماس. وبلغت الأهمية الاقتصادية للممتلكات العربية ذروتها من 1948 إلى 1953، وهي فترة أضخم هجرة يهودية لفلسطين. 

ولم تقتصر مصادرة إسرائيل أملاك الفلسطينيين على أملاك اللاجئين وحدهم، بل حُرم الفلسطينيون الذين بقوا في الأراضي التي استولى عليها الإسرائيليون من أراضيهم بأساليب شتى، منها ما هو إداري وما هو تشريعي. ومن إجراءات المصادرة، التي اتخذت شكلًا تشريعيًا توسيع نطاق قانون أملاك الغائبين، ليشمل المقيمين الفلسطينيين الذين غيّروا أماكن إقامتهم قبل أول أغسطس/ آب 1948، والأنظمة التي صدرت في 1949 وقضت بتفويض وزير الدفاع بأن يعلن أن مناطق معينة هي "مناطق أمن"، يطرد منها جميع سكانها العرب، والقانون الخاص بالأراضي غير المزروعة (1949)، وقوانين نزع الملكية (1950)، والاستيلاء على الأراضي (1953)، والتقادم (1958). 

ويخلص كتن إلى أن من الحق أن يقال إن إسرائيل عاشت وازدهرت إلى حد كبير تأسيسًا على ما نهبته من أملاك اللاجئين العرب في فلسطين.