بعد رحلة نزوح طويلة من يافا، إلى عكا، إلى الغازية في لبنان، إلى حمص، فالزبداني، إلى بيت متواضع وقديم في حارة الشابكلية بدمشق، أقام غسان كنفاني وعائلته أواسط عام 1949.

رحل غسان من يافا إلى عكا، حيث أقامت عائلته في بيت جد أمه، كان يوم 25 نيسان 1948 وهو يوم الهجوم الكبير على عكا من العصابات الصهيونية، وفي 29 نيسان 1948، لجأت عائلة غسان مع سبع عائلات أخرى إلى صيدا والصالحية والمية مية، إلى أن استقر بهم المقام عند أقرب قرية للعودة إلى فلسطين، قرية الغازية أقصى جنوب لبنان.

وبعد ذلك انتقلت العائلة يوم 8-6-1948 إلى دمشق، ثم الزبداني، وفي 19-10-1948 عادوا إلى دمشق وأقاموا في حي الميدان، حتى عام 1952، قبل أن ينتقلوا لحي الشويكة، حتى العام 1956 حيث انتقلوا لبيتهم الأخير.

لم تكن حياة غسان كنفاني سهلة، كانت آثار النكبة واضحة جدا في تشكيلها، وفي وعي غسان، الذي استعاده شقيقه عدنان كنفاني في كتابه "غسان كنفاني.. صفحات كانت مطوية".

يقول الشاعر خالد أبو خالد في تقديمه للكتاب: كيف تشكلت ملامح الكاتب الثائر؟ ما الذي أسهم في تكوينه؟ النكبة.. أم الأسرة؟ كيف رأى وكيف قرأ؟ وهل كان صاحب القميص المسروق وهذا عنوان إحدى قصصه، يكشف عن مستقبله الخاص في خطواته الأولى على طريق الأدب.. أم عن مستقبل شعبه، إذ كان يعبر عن الأنا الجمعية في مشروعه الذي تمحور حول قضية واحدة.. هي فلسطين.

طفولة وصبا غسان، تشرده والعائلة من بيت إلى بيت، ومن دولة إلى دولة، مناف كثيرة في سبيل العيش والعلم، والنظرة دائما متجهة إلى فلسطين.

يكتب شقيقه عدنان كنفاني، عن بيت حي الشابكلية: في ذلك البيت تعلمنا أنا وإخوتي الثلاثة طي أوراق الملازم للصحف والمجلات لحساب المطابع القريبة وتعلمنا كيف ننسى طفولتنا أمام استحقاقات أهم، وكيف نصير أجسادنا آلات تتحرك وتعمل بلا كلل وبدافع غريزي بحت لتحقيق استمرار القدرة على العيش، فقط.

ويضيف: تعلمنا ألا نمرض ولا نشكو، وأن نكتفي أحيانا بالخبز وحده غذاء رئيسيا، وأن نتجاهل الأعياد والأفراح، تعلمنا كيف نقاوم البرد بالأجساد، وألا نشكو من القيظ، تعلمنا كيف ننام أربعة على فراش واحد، وعلى كتف واحدة كأسنان المشط.

حين دبرت والدة غسان فراشا مستقلا لغسان من أشياء كثيرة جمعتها من كل مكان، كسرت ساقيه إثر سقوطه في حفرة على جبل قاسيون أثناء رحلة مع رفاقه، فحملوه على حمار إلى مستشفى الغرباء في حي الحلبوني ليخرج منها بساق محملة بالجبس من أعلى الفخذ وحتى أطراف الأصابع، ألزمته القعود أكثر من شهرين ينام على فراش وحده.. الأمر الذي بدا لأشقائه غاية في الترف.

وعن محاولات الشقيق الأكبر غازي ومعه الشقيق الذي يليه "غسان" الصمود أمام ويلات الحياة ومتطلبات النهوض القاسية، يكتب عدنان: أمام بناء العابد، وهو مجمع المحاكم في ذلك الوقت، اقترح غازي الأخ الاكبر لغسان أن يمتهنوا كتابة العرائض، قائلا: يلزمنا طاولة وكرسي ومحبرة والقليل من الأوراق، ونقبض عشرة قروش عن كل عريضة نكتبها.

وافق غسان، دون أن يكون لديهم المكان والخبرة في كتابة العرائض وأنواعها ومضامينها، إضافة إلى أن المكان لم يكن فسحة مجانية كما تصوروا، فالبلاطات كانت مملوكة لأصحاب المحلات المخصصة ببيع الصحف والمجلات.

ويضيف: صباح اليوم التالي وصل غازي وغسان ومعهما ما يلزم للمهنة، اختارا أفضل الأمكنة وجلسا يتصيدان حاجات الناس الغادين والرائحين.. بعد وقت قليل، حضر الأقوياء/ مالكو بلاط الرصيف.. طارت الطاولة إلى وسط الشارع، وتناثرت الأوراق تحت الأقدام، وعادا للبيت منكسرين.

في اليوم التالي، اتفقا مع رضا حليمة صاحب أحد المحال في شارع رامي، مقابل أجرة نصف ما يتقاضيان، عصرا عادا ناثرين أمام والدهما خمسة وعشرين قرشا.

كان غازي، ورغم صغر سنه، يشعر بالعبء الثقيل على والده ويحاول رفع معاناة الأسرة المكونة من 8 أولاد، فعمل في مصنع زجاج إلى أن سقط من يديه لوح مسببا جرحا عميقا في الفخذ أقعده أيامًا في المستشفى، ثم واجه الخيبة والفشل وهو يحاول العمل في سوق الهال، والشركة الخماسية، وشركة المغازل والمناسج، ومعارض بيع السجاد.

ويسرد: في يوم ماطر عاد غسان إلى البيت باكرًا على غير عادته، يحمل الطاولة والكرسي، وابتسامة كبيرة على وجهه، ووضع على حضن أمي ليرة كاملة، وقال فرحا: رجل قروي يحمل ظرف رسالة، لم يجد في المكان المزدحم شخصا يقدر أن يكتب له الاسم والعنوان بالإنجليزية، وحين فعل غسان ذلك بسهولة، سر الرجل وأعطاه ليرة كاملة، اعتبرها غسان كافية لأجرة عمل يوم كامل.

بعدها بفترة قصيرة، ألح غازي على شقيقته فايزة الذهاب للكويت، التي بدورها أحضرت لها فيزا عام 1951، وحصل على عمل سكرتير ثالث في وزارة المعارف، وفي 1954 سافر إلى كاليفورنيا، وحصل بعد تسع سنوات على شهادة الهندسة في الميكانيك الزراعي من جامعة فرسنو-سكرمنتو، محققا وعده لوالده بأن يعود للبيت والأسرة ويتزوج من فلسطينية.

بعد نجاحه في شهادة البروفيه، عمل غسان مدرسا في معهد فلسطين "الأليانس" التابع لوكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين، نهايات عام 1952، ليعلم طلابا من مثل عمره أو يقارب مادة الفنون الجميلة، وكان قبل ذلك قد قدم أوراقه إلى مدرسة تعليم الملاحة الجوية، وفي عام 1954 حصل غسان على الشهادة الثانوية – الفرع الأدبي، وانتسب إلى كلية الآداب- الجامعة السورية.

لاحقًا عمل في جريدة الأيام الدمشقية أواسط العام 1955، وفي 12-9-1955 سافر للعمل مدرسا للرسم والرياضة في مدرسة خالد بن الوليد في الكويت، وفي عام 1960 عاد لبيروت ليستقر بها نهائيا، وفي الساعة الحادية عشرة من صباح السبت، 8 تموز 1972، انفجرت عبوة تزن 9 كغم من مادة الـ"تي إن تي" شديدة الانفجار تحت مقعد سيارته، فاستشهد مع ابنة أخته لميس.

بقلم: يامن نوباني