أكدت مصادر مقربة من لجنة الاستخبارات بالكونغرس الأمريكي، استخدام السعودية لأسلحةٍ"إسرائيلية" في معركة الحديدة، وكشفت المصادر ذاتها عن تزويد"إسرائيل" للسعودية بقنابل وصواريخ محرمة دولياً، وتضيف بأنّ بعض هذه الأسلحة تُستخدم للمرة الأولى بهدف تجربة قدرتها التدميرية ونتائجها على البشر، هذا في الحديدة اليمنية أمّا في درعا السورية، فقد عثر الجيش السوري على أسلحةٍ"إسرائيلية" خلفتها العصابات المسلحة الذين يوصفون بـ"الثوار والمجاهدين"، وهي ليست المرة الأولى التي يعثر فيها الجيش السوري على أسلحةٍ"إسرائيلية" بحوزتهم، وكذلك يُستهدف الشعب الفلسطيني على السلك الشائك خلال مسيرات العودة في غزة بذات السلاح"الإسرائيلي"، وبما أنّه ذات السلاح القاتل، فمن الطبيعي أن يكون القتيل هو ذات الدم ذاته، وكما قال مظفر النواب قديماً"هل يحتاج دمٌ بهذا الوضوح إلى معجمٍ طبقيٍ لكي يفهمه"، يصرّ البعض أن يكون القاتل والقتيل معاً والقتيل حيناً والقاتل أحياناً، فدهاليز السياسة مكيّفة بعكس خنادق الثورة، وهذا ما يجعل لدى البعض السياسي والديني من تعمد خلط المفاهيم وتخريب الوعي، جزء من عملية الحفاظ على مصادر التمويل ورغد العيش.

وكما بدأت عملية تخريب الوعي بالطرق الإعلامي الناعم والمتواصل على مسامع الجمهور في سوريا، يبدأ الآن في موضوع مضيق هرمز والتهديد الإيراني بإغلاقه، فمقابل مصطلح قوات النظام كان مصطلح الجيش السوري الحر، ومقابل مصطلح ميليشيات شيعية كان مصطلح جبهة النصرة ثم هيئة تحرير الشام أو فصيل كذا وكذا وفصائل المعارضة، حتى أصبح هذا التشوه المفاهيمي هو البديهي، وحالياً يتم تناسي العدوان الأمريكي على إيران من خلال حصارها ومحاولة منعها من تصدير نفطها، مقابل إبراز التهديد الإيراني للدول الخليجية والتجارة العالمية، باعتبار إيران هي الطرف المعتدي لأنها تمتلك نوايا عدوانية على جيرانها الملائكة، ويتم تصوير ردّ الفعل الإيراني على أنّه عدوانٌ محض، وليس محاولة لمقاومة خنقها وقتلها اقتصادياً تمهيداً لانهيارها كدولةٍ وكنظام، والمطلوب منها استقبال سكين الذبح بالصمت، وفي ذات وقت تصوير ردود الفعل الإيرانية بالعدوانية، يتم تصوير تهديدها بالأجوف، وأنّها دولة عاجزة ومفرغة وآيلة للانهيار، مقابل القدرة الأمريكية والقوة الإقليمية لحلفائها، الحلفاء الأقوياء الذين يخاطبهم ترامب بالأوامر عبر تويتر، والذين أعربوا عن قدرتهم على معاونة ترامب على سرقة الحصة النفطية لإيران، فإذا كانت إيران دولة عاجزة ومنهارة، فلماذا كل هذا الصخب عن عدوانيتها وتدخلاتها واحتلالاتها وكأنها غول العالم المستحيل.

في هذا التوقيت بالذات لا يوجد سلوك أو موقف سياسي يتم بعيداً عما يُسمى "صفقة القرن"، أو على الأقل لا يلحظها ويأخذها بعين الاعتبار، وإيران بمحورها اليوم مخيرة بين دوام الاستهداف والنبذ وبين الانخراط بهذا المشروع أو على الأقل عدم تعطيله، وكل ما يقوله النفط بعيداً عن هذه القاعدة هو محض كذب، ولكن يبدو أنّ هذا المحور لديه الكثير من الخيارات ويملك الكثير من أوراق القوة، بينما تفقد الولايات المتحدة أوراقها واحدةً تلو الأخرى، وآخر مفقوداتها هي ورقة درعا بكل ما كانت تعنيه من تحصينٍ لحدود الكيان"الإسرائيلي" وتقسيم سوريا، وقبلها فقدت الحديدة أو هي على وشك فقدانها، وقريباً ستفقد أوراقها الكردية في الشمال السوري، وتأتي زيارة نتن ياهو المرتقبة إلى موسكو الأسبوع الجاري في هذا الإطار، ونتن ياهو لم يتعلم من زياراته المتكررة إلى موسكو والعودة الدائمة بخفي حنين، أنّ القرار السوري في قصر الشعب لا في الكرملين، أو أنّه يعلم ولكن لا سبيل لقصر الشعب فيقضيها بين الأمل والرجاء بوساطةٍ روسية لدى الأسد، تعيد إليه الوضع الحدودي إلى ما قبل 2011، عام انطلاق العدوان على سوريا، وحين يكون هذا الحد الأقصى لأمنيات نتن ياهو، فهذا يعني أنّه بات يتحسس رأسه في الجولان، وبات يدرك أنّ بنود فضّ الاشتباك عام 1974 مع سوريا قد يصبح على شفير الانهيار، وما وساطة بوتين إلّا لإقناع الأسد بالعودة بالزمن لعام 74.

تقول الولايات المتحدة أنّ صفقة القرن تحتاج لثلاثين عاماً لإنجازها، ومع تسارع الأحداث يبدو أنّ عداد هذه السنوات بدأ منذ توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، وتذكرني هذه الأعوام الثلاثين، بثلاثين أخرى حددها باراك أوباما للقضاء على داعش، ولكن بالنسبة لسوريا ومحورها فقد استغرق الأمر ثلاث سنوات للقضاء على داعش في سوريا والعراق، ولا شك أنّ التوقع الأمريكي لم يأتّ من فراغ، بل من معرفةٍ دقيقة بقدرات داعش التمويلية والتسليحية، ومعرفة بالأطراف الداعمة والممولة وعلى رأسها أمريكا، وقياساً فالخيبة الأمريكية بهزيمة داعش وتراجعها الدراماتيكي، ستكون هي الخيبة ذاتها على صعيد تنفيذ صفقة القرن، وعلى يد ذات المحور الذي خيّب الرجاء الأمريكي في داعش، وهذا محورٌ صلب لا ثغرات فيه، والثغرة الوحيدة التي ستعمل عليها الولايات المتحدة هي الوضع الفلسطيني المهلهل، وهي الثغرة الأخطر والأوسع، وتحصين هذه الثغرة هو ما يحتاج لعملٍ دؤوب بصبر أيوب، والفشل في تحصينها قد يعني استمرار عداد السنوات منذ أوسلو، وتراجع القدرات على توقيفه.