عند تمام الساعة الثامنة صباحا، تتنطلق الشابة العشرينية رندة صوب المذابح المتخصصة ببيع المواشي، لشراء الفوارغ الهضمية التي درج تسميتها شعبيا بـ "الكرش والفوارغ"، والعودة مبكرا للمنزل من أجل الشروع بتنظيفها وتحضيرها لتلبية طلبات زبائنها. 

رندة هي خريجة جامعية حاصلة على درجة البكالوريس في تخصص الرياضيات، تمثل نموذجاً لأصحاب مشاريع منزلية تبيع الطعام (جاهز أو شبه جاهز) أون لاين، مستيعنة بمنصات التواصل الاجتماعي المتعددة للتسويق لمشروعها وكسب الزبائن.

وتعد الأوضاع الاقتصادية الخانقة التي يمر بها قطاع غزة منذ أكثر من عشرة سنوات، الدافع الرئيسي لظهور هذه المشاريع وتكاثرها، إذ يحاول أصحابها الاستعانة بها لتحريك عجلة حياتهم اليومية، والحرص على ديمومة دورانها.

تقول رندة البحطيطي صاحبة صفحة "مطبخ أميرة"، لوكالة "نبأ برس" الاخبارية، إن فكرة المشروع كانت وليدة الصدفة البحتة، إذ فكرت أن تبيع من خلالها أصناف محددة من الطعام (المعجنات، المحاشي ،الكبة والمفتول إلى جانب الكرش والفوارغ)، وهي أكلات تتطلب مجهود بدني ووقتي لإعدادها، ما قد يدفع بعض السيدات للنفور من تحضيرها.

قبل أن تهتدي "الخريجة الجامعية" لفكرة المشروع المنزلي، عملت البحطيطي في أكثر من مجال كالسكرتارية وتقديم دروس خصوصية لطلاب المدارس، بعد ان فقدت الامل بالحصول على وظيفة تتناسب وتخصصها الجامعي.

وتضيف رندة وهي فتاة عازبة تعيش برفقة والدها الثمانيني، وامها الستينية والتي تعتبر شريكتها بالمشروع، أن هذه المجالات رغم أنها متعبة وذات مردود مالي قليل، إلا أنها أصبحت عزيزة ونادرة للغاية، الأمر الذي حذا بها للتفكير بإطلاق مشروعها المنزلي وبرأس مالي لايتجاوز قدره 100 شيكل (25 دولار)، علها تجد ضالتها بإيجاد مصدر دخل "شبه ثابت" يعينها على الصعوبات المعيشية.

وتنتشر مثل هذه المشاريع في منصات التواصل الاجتماعي، بعضها متخصص ببيع الطعام المعد منزليا بمختلف الأصناف كالحلويات والموالح ولوازم اعياد الميلاد، أوالملابس ومستحضرات التجميل.

تحدثنا، رندة عن الصعوبات التي واجهتها في مشروعها الذي لم يتجاوز عمره 3 شهور، تقول، إنها تمثلت برفض المحيطين بها للفكرة، خوفا من "النظرة المجتمعية" لها كونها ستعمل عند الناس، حسب وصفهم، ثانيها، النجاح في كسب ثقة الزبائن وتوسيع قاعدتهم والتسويق لمنتجاتها، وهو الأمر الذي تطلب منها جهد مضاعف لتجاوزه.

وتضيف، انها واجهت الرفض بإرادة صلبة وتمسكت بفكرتها، التي تشعرها بالسعادة والأمان المعيشي، خاصة وان مردودات المشروع تمثل العصب الأساسي لتوفير متطلبات المنزل الاساسية وبنسبة تتجاوز 50%، كما وباتت تجد الحافز والتشجيع  في الردود الايجابية والداعمة التي تتلقها من الزبائن.

إلا انه ولسخرية القدر، تقول رندة ان الاوضاع الاقتصادية السوداوية، والتي دفعتها لفتح مشروعها المنزلي، هي ذاتها التي تحاربها، ويتجلي ذلك في عزوف عدد غير يسير من الجمهور المستهدف عن التعامل مع هكذا مشاريع، انطلاقا من مبدا توفير بضعة شواكل تعينهم في أمور اخرى، رغم انها تحاول تجاوز ذلك من خلال تقدم منتجات ذات جودة عالية وباسعار بسيطة لا تختلف كثيرا عن سعر السوق المحلي.

"استيتية"..الاسطورة وحلم الطفولة:

لا تختلف كثيرا الظروف التي دفعت سندس لافتتاح مشروعها المنزلي عن ظروف رندة، باستثاء بعض التفاصيل، منها أن تحضير الطعام وافتتاح مطعم خاص لذلك هو حلم الطفولة الذي رواد سندس منذ كانت تبلغ 10 سنوات.

سندس خريجة جامعية هي أيضا، حاصلة على شهادة كيمياء تطبيقة، ولدت وترعرت في سوريا، قبل أن تدفعهم الأزمة السورية للعودة إلى قطاع غزة منذ 5 سنوات.

("استيتية" أسطورة الطير الذي غادر الأسطورة وسكن الشام نهائيا) هو الاسم الذي أطلقته على مشروعها، مشيرة إلى أنها تجد في هذه الأسطورة التعريف الدقيق لحالها، وتضيف أنها بعد أن اصطدمت في الواقع المشلول لسوق العمل في قطاع غزة وندرة الفرص الوظيفية، اتجهت صوب تحقيق حلمها والبدء بمشروعها الخاص.

أواخر يناير الماضي، دشنت مشروعها، حيث لاقت التشجيع والمساندة من أهلها والأصدقاء المحيطين بها، فضلاً عن زبائنها الذين تفاعلوا معها بشكل ايجابي ومشجع ما اعطها الدفعة اللازمة للمضي قدما في مشروعها.

وعن الصعوبات تقول سندس، انها افتقدت في البدايات لرأس المال الذي تمول به مشروعها، إذ لم تحتكم وقتها في محفظتها الخاصة إلا على 10 شواكل، أي قرابة 3 دولار، إلا أنها لم تفقد الأمل وانطلقت بتشجيع الأهل ودعمهم، والاستعانة بالمواد التموينية التي توفرت في ثلاجة العائلة لتغطية الطلبات التي بدأت تنهال عليها فور اعلانها عن فكرة المشروع.

تحلم سندس وهي خريجة كيمياء تطبيقة أن تتمكن في يوم من الأيام أن تنقل مشروعها المنزلي من واقع "أون لاين" لمطعم حقيقي متخصص في بيع الطعام السوري.

في دراسة عن الواقع الاقتصادي لقطاع غزة، نشرها مركز رؤية للدراسات والابحاث منتصف شهر مارس الماضي، أعدها الخبير الاقتصادي سامي أبو ظريفة،  جاء فيها: أن الأراضي الفلسطينية المحتلة شهدت خمس عقود من الاحتلال، ترتب عليها تراجع التنمية وكبح الإمكانيات البشرية وانكار الحق في التنمية، وعدم قدرة الاقتصاد على استخدام أكثر من ثلث القوى العاملة وارتفاعا هائلا لمعدل البطالة بين الشباب والنساء.

وعن الناتج الناتج المحلي لغزة والذي كان يشكل سابقا من 40% من الإنتاج المحلي للاقتصاد الفلسطيني، قال أبو ظريفة أنه تراجع بشكل صارخ، بفعل عدة عوامل، بينما انخفض متوسط دخل الفرد بشكل كبير وتراجعت القدرة الشرائية بنسبة تصل ال 60% عام 2017م.

هذا ويؤكد الخبير الاقتصادي ماهر حسن لوكالة "نبأ برس"، أن هذه المشاريع تمثل الأكسجين المعيشي لأولئك الذين يعانون من أوضاع اقتصادية صعبة، خاصة وانها "تتميز بسهولة إنشائها، إذ تعتمد على رأسمال بسيط، بالاضافة الى سهولة إدارتها". 

ويضيف حسن أن هذه المشاريع الصغيرة تفتح الباب أمام الأفكار الإبداعية الخلاقة، إلا أنها تبقى بحاجة للدعم المادي لتتمكن من توسيع نطاق العمل وتحقيق التقدم.