حتى الأمس مساء كان الجميع بانتظار خبر موافقة إسرائيل على الصيغة المطروحة للتهدئة بعد اجتماع الكابينيت الذي عقد متأخرا لمناقشة بند واحد وهو التهدئة طويلة الامد مع حركة حماس، أغلب التقديرات كانت تشير إلى الموافقة الإسرائيلية ليس فقط لان إسرائيل تريد تلك التهدئة كمدخل ربما بالنسبة لها لفصل غزة بل أيضا لأنها لم تكن بعيدة عن الصياغات التي تضمنتها الورقة ولا أحد يعتقد ان نيكولاي ميلادينوف لم يستشر الأطراف في مبادرته.

ميلادينوف يتحرك منذ أشهر، أو منذ أن نشرت جريدة الأخبار اللبنانية تقرير عن العرض الأوروبي لحركة حماس وبالتأكيد كانت تطورات الأسبوع الأخير تشي بإشارات في صالح التهدئة وأبرزها زيارة وفد من المكتب السياسي لحركة حماس على رأسه نائب رئيس الحركة الذي طاردته إسرائيل وأخرجته من قطر وتركيا إلى غزة وكان معروفا أن إسرائيل سمحت له ولباقي الاعضاء بالزيارة لتلتئم قيادة الحركة لاتخاذ قرار الموافقة على الورقة المقدمة.

لا شيء اسمه تهدئة وربما هذا اختراعا فلسطينيا أو من حركة حماس فالحروب بين المتصارعين بالسلاح عندما تتوقف يعقدون هدنة ولكن الحركة تنجب مصطلح الهدنة لأن هناك نصا عقائديا " بمعاملة من يهادن العدو يتم معاملته معاملة العدو إذا دخل بلاد المسلمين لأن إعلان الجهاد يصبح فرض عين" وهنا فإن العدو يحتل بلاد المسلمين فلا مجال للهدنة أو المهادنة لذا جرى اختراع مصطلح تهدئة وربما أن تلك هامشية في خضم ما يحدث من تطورات .

حركة حماس وافقت على التهدئة وقد عقدت اجتماعين هكذا تقول الصحف ووسائل الإعلام الإسرائيلية التي تستقي معلوماتها ربما من مصادر أمنية تعرف وتتابع كل شيء وكان الامر بانتظار موافقة إسرائيل التي اعتبرها البعض شكلية أو تحصيل حاصل لجولات من المفاوضات مع منسق الأمم المتحدة لكن اجتماع الكابينيت مساء أمس انتهى بما يشبه الغموض وبأخبار متضاربة إلى حد ما تتراوح ما بين الميل للموافقة وبين الرفض أو وضع الاشتراطات والحديث عن الأسرى.

الحقيقة أن الامور ظهرت أنها متعثرة بشكل مفاجئ فقد طلبت إسرائيل معلومات عن الجنود الإسرائيليين الأسرى لحركة حماس حتى تحدد الثمن الذي ستدفعه في مفاوضات الأسرى ويبدو ان رفض الحركة أحدث نوع من التراجع في المجلس الوزاري المصغر وكأن هناك عقبة جديدة إذ ظهرت قضية الأسرى في اللحظة الأخيرة ، وكأن إسرائيل أو مفاوضها كان هاويا خلال الأسابيع السابقة فليس الأمر بهذه السذاجة بل أن تجربة إسرائيل في التفاوض هي الأكثر اخترافا قياسا بالعرب.

لكن إسرائيل كعادتها لا تتوقف عن مناورات اللحظة الأخيرة فالاتفاق بالتأكيد عرض على الطرفين وليس من المعقول أن الأطراف التي عملت عليه كانت تعمل بمعزل عن إسرائيل وحماس وواضح ان المفاوضات الماراثونية توصلت إلى صيغة شبه نهائية مقبولة للطرفين وكان الأمر بانتظار اجتماع قيادي لدى إسرائيل وحماس لذا جاء وفد حماس لتشجيع القيادة لاتخاذ قرار الإجماع بالموافقة وقد تم وربما أن الحركة أبلغت السيد ميلادينوف بموافقتها النهائية وهنا المناورة الإسرائيلية التي تسلمت موافقة حماس لتبدأ لعبتها المعتادة بأنها مترددة وهناك ما يمنعها من الموافقة وهناك ضغوطات من قبل وزراء لم تكن بالحسبان ورسالة من أهالي الجنود الأسرى وبالتالي فإن مصادقة الكابينيت توقفت في اللحظة الأخيرة بسبب بند المعلومات عن الأسرى وعلى حركة حماس أن تقدم معلومات هل هم أحياء أم أموات حتى تتمكن إسرائيل من إتمام الأمر وهو ما لم تأخذه من حماس خلال السنوات الماضية.

ويصاحب المناورة تهديدات إسرائيلية بأن يبلغ رئيس الأركان الحكومة بان الجيش جاهز لكل الاحتمالات وأكثر من ذلك كأن إسرائيل لا يعنيها ما تم التوصل إليه من تفاهمات أفضت إلى الصياغة شبه النهائية للاتفاق الذي وضع على طاولتي مكتب حماس السياسي وسلمت متسرعة ردها كأنها وقعت في الكمين الإسرائيلي وكذلك طاولة الحكومية الإسرائيلية التي استغلت موافقة حماس لتمارس ابتزازها.

من قرأ تاريخ إسرائيل وكيف تعمل يسهل عليه فهم تلك الألاعيب وبالتالي إذا كان الأمر وصل إلى هذه النقطة يفترض بحماس تكون أكثر دهاء والإعلان عن أن محاولة التوصل إلى اتفاق مع الإسرائيلي باءت بالفشل وبناء عليه فإن خيار المصالحة الوطنية هو خيار الأولوية الذي ستنشغل به خلال الفترة المقبلة وصولا لحالة من الوحدة وبناء النظام السياسي وأن شروطها لتبادل الأسرى ليست قابلة للنقاش وأن لا معلومات بلا ثمن ، مرة واحدة نريد طرفا عربيا يفاوض إسرائيل بمنطقها .. إسرائيل تريد الصفقة ولكنها تمارس ابتزاز اللحظة الأخيرة ولو لم تكن تريدها لما تحرك ميلادينوف أصلا..!

خاص نبـأ برس|| نسمح بإعادة النشر شرط ذكر المصدر.. يُحظر القيام بأي تعديل، تحوير أو تغيير في النص