رغم أنّ الغموض يلّف ما يُقال أنّها مبادرات حول قطاع غزة، إلّا أنّه من الواضح أننا في حالة انعدام الوزن، وهذا ينطبق على المستويين القيادي والشعبي، كما على شِقّيّ القيادة في الضفة وغزة، فالقيادات الفلسطينية تسير نحو الفخ الأمريكي عن سابق تصوّر، بغض النظر عن محاولة قولبة الأمر باعتباره مناكفات فلسطينية داخلية، وأنّ السلطة ترفض تشرذم القرار الفلسطيني بعيداً منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، فيما الحقيقة أنّ محمود عباس هو الممثل الشرعي الوحيد، لأنّه هو المنظمة والمنظمة هو، أو أنّ حماس ترفض تمنُع السلطة عن القيام بواجباتها مما أدّى للكارثة الإنسانية في غزة، فيما أنّ هذه الكارثة ليست بعيدة عما جنته أيدي حماس، والانطلاق من قاعدة أنّ المصالحة الفلسطينية هي السبيل الوحيد لحلحلة كل الأزمات، كما أنّها الطريق الإجباري لتحقيق التحرر، هو وهمٌ وعبثٌ سياسي، لأنّ ما تسمى بالمصالحة حالياً هي فعلٌ سياسيٌ حزبيٌ لا وطني، وطالما هو كذلك سيظل مستحيلاً إلى حين غياب طرف أو ستسلام طرف.

هذا بالعموم، أمّا بخصوص ما نحن بصدده من مبادرات، فيبدو أننا الطرف الأضعف، فحين يقول عضو وفد حماس إلى غزة حسام بدران بأنّ "الهدف الاستراتيجي هو رفع الحصار"، فيما يُنهي "الكابينيت الإسرائيلي" اجتماعه بتصريح لـ"رئيس هيئة الأركان"غادي ايزنكوت بأنّ" الجيش جاهز للتعامل مع أيّ سيناريو"، ويغرد ليبرمان بأنّ"التصدي لحماس بات يفقدها أيّ قدرة على الهجوم" مرفقاً ذلك بـ"فيديو" للعازل المائي على حدود غزة، وكل هذا مشفوعاً بضمانة"إسرائيلية" لدخول وفد حماس إلى قطاع غزة، فلا نحتاج لكثير تفكّر لاستنتاج معادلة الطعام مقابل الأمن، فحين يكون الهدف الاستراتيجي هو رفع الحصار، فلا بد من السؤال الملح عن ضرورة السلاح، فإذا كان السلاح هو سبب الحصار، وإذا كان الهدف الاستراتيجي وليس التكتيكي هو رفع الحصار، فالأمر غايةٌ في البساطة، تخلّوا عن السلاح للممثل الشرعي والوحيد -أبو مازن- يُرفع الحصار، ولكن المحلل"الإسرائيلي" عكيفا الدار يقول حسب مصادره الحكومية"أنّ الحكومة الإسرائيلية أصبحت الآن أقل تشدداً في موضوع نزع سلاح حماس من السلطة الفلسطينية"، وهذا يعني من ناحية أنّ مطالبة السلطة بنزع السلاح يصبّ في خانةٍ فصائلية سلطوية، ومن ناحيةٍ ثانية فإنّ الزهد"الإسرائيلي" بمطلب نزع السلاح ينمّ عن ضماناتٍ قدمتها أطراف معينة بتعطيله على المدى المتوسط والبعيد، تمهيداً لاعتباره فلكلور شعبي.

أودّ أن أقنع نفسي بأنّ البالونات الحارقة حققت ما عجزت عن تحقيقه ثلاثة حروبٍ قاسية، فهذا الخطاب يجعلني أكثر اعتزازاً بأنّنا شعبٌ نثبت أنّ عصر المعجزات لم ينته بعد، وأنّ الخوارق تجري على يدينا وتدور أينما دُرنا، ولكن المؤسف أنّ من يريد إقناعي بهذا الخطاب لا يبذل جهداً كافياً، خصوصاً وأنّ هذه البالونات تبدو وحيدة في مواجهة أطراف المبادرة، وجميعهم يدورون في الفلك الأمريكي، وكلهم قانعون بهذا الدور والدوران بما فيهم قطر، باستثناء تركيا أردوغان الذي يصر على أن يضيف لمسته السحرية بإصدار الأصوات أثناء عملية الدوران، وقد يحاول الحصول على مقايضاتٍ أمريكية في الملف الكردي شمال سوريا عن طريق البالونات، حيث أنّه لا تفسير لهذا الزخم الأممي لإغلاق ملف غزة، سوى خطورة الجبهة الشمالية لفلسطين المحتلة، بعد أستعادة الجيش السوري لكل المناطق الحدودية، حيث أصبحت جبهة تشكل خطراً وجودياً على"إسرائيل"، والتفرغ التامّ والكامل لهذا التهديد يحتاج جبهة جنوبية خامدة مؤقتاً وميتة دائماً، والبالونات حتماً تدرك ذلك وهو ما يجعل أمكانية تحويل التهديد بالتصفية إلى فرصة حقيقية، ويجب أن يكون سقف البالونات عالياً، وعلى "إسرائيل" أن تدفع ثمناً غالياً مقابل تركها للتفرغ شمالاً، ولكن قد يكون للبالونات حسابات إقليمية أكثر استعجالاً.

إذاً نحن أمام مشهد يبدو كجريمةٍ مكتملة الأركان، فالسلطة تريد السلاح، والبالونات تريد شرعية دولية لا المقاومة ولا التحرير، و"إسرائيل" تريد التفرغ للشمال، وأمريكا تريد خطوات تمهيدية لصفقة القرن، وجميعهم يدفعون الناس للتفكير من أمعائهم لا من أدمغتهم، وعليه فالحديث عن إجراءات إنسانية دون تنازلات سياسية هو للاستهلاك ويتماشى مع سياسة التفكير من الأمعاء، فكل منحة إنسانية دون تغطية سياسية تظل قابلة للمنع، وبالتالي عودة الوضع للمربع صفر، لذلك فعلى البالونات أن تكون صريحة وشفافة مع المحاصرين، وتخبرهم بالخطوة التالية بعد رفع الحصار، فهل ستصبح فصائل المقاومة ذراعاً عسكرياً للسلطة القائمة في غزة بهدف الحفاظ على الهدنة، أم ستواصل العمل على تعزيز قدراتها العسكرية بهدف التحرير في ظل اتفاق الهدنة، أو تستطيع القيام بالأمرين معاً في ظل رعاية مصرية أمريكية أممية قطرية تركية للاتفاق، ولكن السؤال الذي يستبطن كل التنازلات، هل من خيارٍ آخر أمام البالونات، إنّ حركة المقاومة التي تصل لمرحلة هذا السؤال تكون فقدت قدرتها أو رغبتها بالمقاومة، وهي مرحلة تمهيدية لإعلان الاستسلام، فأوسلو أيضاً سبقها ذات السؤال، وفي حال توقيع هذا الاتفاق في ظل تشابه الحالتين، سنكون أمام أوسلو ثانية مع فرق أنّها أقل طموحاً وأكثر تفريطاً.