لم تنم غزة الليلة كعادتها،  فقد أصبحت صديقة للخوف والقلق والموت حتى ، وأفاقت على كل هذا الهدوء وكأن شيئاً لم يكن،  عادت تمارس حياتها وتغسل وجهها هذا الصباح من آثار القصف والخوف بشكل مؤقت بانتظار قصف آخر أو حديث عن تهدئة أخرى اذ باتت كأنها تأخذ استراحات متقطعة لبعض الليالي وسط قصفين أو تصعيدين هذا هو الواقع.

غزة الى حرب أو الى تهدئة وهنا تتساوى الأمور فالحرب كارثة انسانية والتهدئة وفقاً لما هو مطروح كارثة سياسية كما يقول الوزير الاسرائيلي يسرائيل كاتس "بأن الهدف من اتفاق التهدئة هو الفصل التام عن قطاع غزة وأن غزة لن تتصل بالضفة وفك ارتباط اسرائيل عن غزة من أي مسئولية مدنية ونقل المسئولية للعالم "وبكل الخيارات غزة لم تؤسس مشروعاً وطنياً لينتهي بها الحال للبحث عن قضايا انسانية.

لكن الاسرائيلي الذي ألقى للفلسطينيين بلعبة السلطة والحكم كان يعرف أن علاقة العربي بالسلطة أكبر من الأوطان وطالما أن الأمر يتعلق بالسلطة واستمرار الحكم فكل شيء مباح في ظل اختلاط المفاهيم وانقلاب المعايير وفي ظل حالة التوهان التي تعيشها المنطقة والقضية الفلسطينية التي يكتب أبنائها الصفحة الأخيرة في دفترها الدامي بهذا الشكل الذي يدعو للحزن.

لا يعني كثيراً أن نستمر بالبكاء على ما وصل اليه حالنا من عبث فاق حدود التصور لكننا الآن وسط نيران تتبادل وتحت غلاف صواريخ ترج غزة وتعيد طرح السؤال هل نحن أمام حرب أم ماذا والى أين نحن ذاهبون في ظل الحديث عن وسطاء ووساطات وتهدئة وأوراق واتفاق جرى المصادقة عليه من قبل طرف بينما على الآخر توقيعه ليمارس الابتزاز كما تجار الحروب.

اجتماع الكابينيت استمر حتى فجر اليوم ولا قرار كعادته في الأيام الأخيرة ليهتم أحد المحللين الاسرائيليين نتنياهو وليبرمان بفقدان الشجاعة والخوف من تشكيل لجنة تحقيق فيما لو أخفقت الحرب وكانت الخسائر كبيرة واليوم ظهراً سينعقد مرة أخرى لكن الأهم أن اسرائيل تريد اتفاقاً ولا تريد حرباً وهذا هو بيت القصيد ووجهه السياسة في العلاقة بين تل أبيب وغزة طالما أن اسرائيل هي التي تريد.

لذا ممكن الاعتقاد كل ما جرى ويجري من تصعيد يأتي في سياق البحث عن تهدئة واستكمال مفاوضاتها لأن حجم النار الذي استخدم الليلة الماضية كان كفيلاً باشعال حرب خلال السنوات الماضية فحرب 2014 بدأت بعد أن أطلقت حماس 100 صاروخ بينما سقط على اسرائيل هذه الليلة 150 صاروخ وكذلك تقول اسرائيل أنها قصفت مئة هدف لحركة حماس والحقيقة أن غزة الليلة كانت ساحة حرب حقيقية.

لكن بكلل الظروف والمسار الذاهب نحو تهدئة حتى لو استدعى تصعيداً ليتم اخراجه بغض النظر عن مستوى النار المطلوبة للانضاج لكن الأمر بالنهاية لخيار الاتفاق على غزة وقضاياها الانسانية والتي كانت قد تحققت منذ عقدين وأكثر من ذلك كان هنا مطار في غزة،  تصوروا كيف نعود للبدايات وكأن كل ما دُفع من أثمان باهظة كان على سبيل تعلم السياسة وسوء التقدير أو بالأحرى على طريق الحكم وتعزيزه حتى وان استدعى قدراً من الخلافات التي أحدثت كل هذا التصدع في الجسد الفلسطيني وكل هذا الخراب للبيت الفلسطيني.

فلنذهب أبعد قليلاً ماذا لو عقد اتفاق تهدئة مع اسرائيل يعيدنا الى ما كان قد حققه ياسر عرفات سابقاً أو أقل منه وهذا ما هو مطروح،  مع الادراك أن قطاع غزة وحركة حماس منذ أشهر يتم دفعهما باتجاه هذا الخيار دون أن نشك أن في الأمر مصادفة فما كل ما حدث من سلوك لجميع الأطراف التي شاركت بالضغط دون أن نتجاهل حجم التخوفات والاعتراض من اتفاق يعيد تكرار نموذج حكم ياسر عرفات لغزة ووعود سنغافورة الانسانية والذي أدرك عرفات أنه كان قيداً وطنياً واتفاقاً دون الحد الأدنى ليقلب الطاولة فهل سنعيد الكرة ونوقع اتفاق ونقلب الطاولة في لعبة متكررة ممن يمارسها القادة على ظهور الشعوب.

في اسرائيل أصبح انتاج الفكر يعتمد على مركز "بيغين السادات "بجامعة بار ايلان جامعة اليمين المقربة للحكومة،  هناك أصوات تتحدث عن الامارات الفلسطينية المتحدة وينظر لها مردخاي كيدار استاذ العلوم السياسية فهل تلك بداية الاختبار للانتقال للضفة وتقسيمها أم ستعمل اسرائيل بعد الاتفاق على نقل السلطة لغزة وتكريس الكيان الفلسطيني هنا؟ بكل الظروف عندما يغيب الفكر السياسي وتصبح السياسة لعبة هواة يحدث للشعوب ما يحدث لدينا..!!!