جمال عبد الناصر رمز عروبي بامتياز، وفي الخمسينيات والستينات شاع اسم "جمال" من المحيط إلى الخليج، حتى في الممالك والمشايخ التي كانت تعادي تجربته، ومن يحبه من العرب ويصطف مع مشروعه، يحب مصر بالضرورة، ويدفعها إلى المقدمة باعتبارها الشقيقة الكبرى (بالنظر إلى الموقع الجغرافي والتاريخ والتجربة وعدد السكان.. إلخ).

 

وعن تحربة شخصية.. أشهد أني لم أصادف سياسي عربي يحترم عبد الناصر ويؤمن بالعروبة، إلا وهو شغوف بالقاهرة ومشدود بعقله وقلبه لها.

ولا شك أن الحرب على عبد الناصر، إنما تستهدف العروبة نفسها، باعتباره أهم رمز سياسي في العصر الحديث، استطاع أن يجمع -وحتى اليوم- حب الملايين من الشعب العربي في أقطاره المختلفة سواه، كما تستهدف الحرب مصر أيضًا، لأنه لا رمز مصري حديث يحظى بهذا التقدير العربي والأممي مثله.

وعندما تم الإساءة إلى ناصر وإلى سمعته، فإن المستهدف إسقاط رمز يستطيع أن يجمع العرب، ويذكرهم بحتمية أن يكونوا مُوحدين وأحرارًا، وكذلك إسقاط رمز مصري كان إبنًا بارًا لبلاده فعلًا، أدرك قيمتها ودورها ودوائرها، وجلب لها كل تلك المحبة والتقدير.

 

إن الانحياز لجمال عبد الناصر ليس أمرًا مبنيًا على العاطفة، بل هو انحياز لمشروع نهضة قومي (أنجز إنجازا ضخما، لكنه لم يكتمل بسبب العدوان الخارجي، ثم الأخطاء الداخلية التي تستوجب النقد)، شأنه في ذلك شأن مشروع محمد علي. وكل من يُرجع أمر التشيّع لعبد الناصر إلى العاطفة، فإنه يصف الشعب ومثقفيه بـ"الحُمق"، ثم فليقل لنا، لماذا لم تتكرر تلك "الحماقة" مع غيره من الحكام المصريين، رغم أنهم امتلكوا الإعلام مثله؟، ولماذا يعيش عبد الناصر حتى اليوم، ويطغى حضوره إلى هذا الحد، وترتفع صوره في أي مظاهرات تناهض التطبيع أو ترفض التبعية أو تدين الخصخصة.. إنه يعيش رغم إساءة الإعلام له والتجريح فيه على مدار عقود، سواء أكان الإعلام الرسمي منذ كامب ديفيد أوغير الرسمي الإخونجي ثم الليبرالي المتغربن لاحقًا أو المملوك للرجعية العربية طوال الوقت.

 

جيوش المثقفين والفنانين والكتاب والأدباء الذين ساندوا مشروع الصعود العربي بقيادة عبد الناصر، لم يكونوا مسحورين أو مغيبين، ولم تكن كلماتهم هي سبب التفاف الناس حول المشروع، ولو كان الأمر على هذا المنوال لخلق أي نظام مصري لاحق أو سابق لعبد الناصر تلك الحالة ليكسب عبرها ألباب الجماهير، لكن السر كان في المشروع نفسه، وقوة تعبيره عن مصالح الناس ومدى طموحه وجدّية إنجازاته وطاقة الحياة التي بثّها في الجمهور، وهي الأمور التي حقنت المثقفين والفنانين بالصدق والحماسة، فخرجت أعمالهم الفنية ومنتجاتهم الأدبية صادقة وملتهبة.. وما يخرج من القلب يصل إلى القلب، وتلك حقيقة علمية لا عاطفية.

الحقيقة أن الحملة على عبد الناصر اليوم ليست فكرية، ولم تكن في يوم من الأيام فكرية، بل هي حملة ممولة ولغرض.

أحد المؤرخين المشاهير في زمن مبارك "عبد العظيم رمضان"، عندما ظل يهاجم عبد الناصر في كل كتبه ومقالاته في الصحف الحكومية (نكرر: الصحف الحكومية)، فلم يكن يفعل هذا إلا لكونه مطبع، التقى صهاينة وحاورهم، ودعا للتطبيع الصريح مع الكيان وقبول وجوده، وتصادم مع اليسار والقوميين علانية على صفحات الجرائد لهذا السبب، ودعا لغلق بعض صحف المعارضة، ولم يكن يكيل الاتهامات إلى ناصر إلا لكونه مؤيد للانفتاح والخصخصة، ومتهكم على الوحدة العربية، الشيء الأساسي اللازم لحيازة القوة..

وعلى قاعدة التطبيع والخصخصة والأفكار الانعزالية.. هاجم عبد الناصر لأنه يمثل النقيض لأفكاره.

لذا فقد كان منطقيًا تماما أن يقوم عملاء الناتو من السلفيين والإخونج بهدم تمثال عبد الناصر في ليبيا عام ٢٠١١، لأن عبد الناصر هو النقيض لمن يضع يده في يد الاستعمار ويسوق البلاد إلى الظلام والخلف، وقد تجلى هذا التناقض في أنهم لم يتحملوا تمثاله.

 

ومن ذات الباب الذي يتم منه الهجوم على عبد الناصر، يحصل الهجوم على جميع ثورات التحرر الوطني في مختلف الأقطار العربية، ولقد تابعنا حملة صفحات الفيس بوك العراقية على ثورة ١٤ يوليو ١٩٥٨ التي أطاحت بالملكية وعملاء الغرب من الحكم وأسقطت حلف بغداد المصنوع من قبل أمريكا، كما نتابع بعض الصفحات السورية المأجورة التي تهلل لسورية وهي تحت الاحتلال أو الانتداب!، وتروج لهذا العلم المشبوه الذي تم رفعه بالتزامن مع الهجمة الربيعية العدوانية التي بدأت في 2011 والمستمرة إلى اليوم.. وإن هذا كله يؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن ما يحصل حاليًا في الوطن العربي كله هو حملة ممنهجة وممولة لتلطيخ سمعة ثورات وفترات التحرر الوطني، ويؤكد أن الهجوم على ثورة ٢٣ يوليو في مصر هو حلقة في مسلسل طويل يبدأ من العراق وينتهي في الجزائر (التي نلحظ فيها مؤخرًا هجمة متصاعدة تطال سيرة الرئيس العروبي والاشتراكي: هواري بومدين).

إذن فالحكاية ليست أجيال غير واعية، الحكاية هي جهد مدعوم تقف خلفه سفارات أجنبية وعواصم رجعية ملكيّة، والغرض النهائي ذمّ الأنظمة الجمهورية وإدانة مشاريع التحرر من الاستعمار والإساءة إلى تجارب تأميم المصالح الأجنبية.. إلخ. وهذا الجهد العدواني في الحقيقة هو امتداد لجهد سابق لطالما مورس في وسائل الإعلام المختلفة.. لكن اليوم هو يوم الفيس بوك!.