هآرتس - بقلم: جدعون ليفي      "إن حالة ايتسيك سعديان، الذي أصيب بصدمة المعركة وأحرق نفسه، تعدّ حالة صعبة وصادمة من كل النواحي. ولكن العاصفة التي ثارت في أعقاب عمله هذا كانت خليطاً من صدمة مفهومة ومحقة مع درجة من التضخيم الصارخ والنفاق والتملق وازدواجية المعايير. هذه العاصفة رسمت عدة خصائص أساسية للمجتمع في إسرائيل: تمثيل دور الضحية، والرضى عن النفس، واحتجاج قليل ومتأخر جداً، وعمى أخلاقي عن رؤية معاناة الآخر. كان سعديان ضحية للانغلاق المروع. الاحتجاج الذي اندلع في أعقاب فعله لم يكن أقل غموضاً. لقد احتجت إسرائيل على الخطأ في الوقت غير الصحيح.

إن الاحتجاج على إهمال معوقي الجيش الإسرائيلي يجب إسماعه قبل الحرب المقبلة وليس بعدها، ولكنها لن تسمع ذلك. في المرة القادمة التي ستذهب فيها إسرائيل إلى هجوم آخر وحشي على غزة العاجزة، أو تشعل حرباً ضد إيران أو تقوم بقصف لبنان – عندها، بالضبط، يجب طرح احتجاج المصدومين من المعركة.. المعاقين وعائلاتهم، الذين يعرفون حقيقة الثمن الفظيع الذي سيتم دفعه. ولكن عندما يخرج الجيش إلى الحرب، لن تفعل إسرائيل شيئاً سوى أن تصفق كرجل واحد. لا أحد في حينه يتحدث عن المصدومين في المعركة الذين سيعودون منها.

“جميعنا ايتسيك سعديان”، صرخ العنوان المتهكم في “يديعوت أحرونوت”. “جميعنا سنكون ايتسيك سعديان”، هكذا يجب أن يكون العنوان الرئيسي في مواجهة استفزازات إسرائيل غير المعقولة لإيران واستمرار الحصار الإجرامي لغزة والاحتلال الدائم للضفة الغربية. وهذه الأمور قد تقود إلى الحرب القادمة.

 

 

مصطلح “أحد المعاقين في الجيش الإسرائيلي” يجب إزالة القدسية عنه. الأغلبية الساحقة لم يصابوا بنشاطات عملياتية، وحاول عدد منهم خداع الجهاز، وعدد قليل منهم لا يعاملون كما يستحقون. هناك عدد قليل من الدول التي تعالج المعاقين فيها بإخلاص كهذا، من خلال التمييز بين الجندي الذي أصيب بحادث طرق وبين المواطن الذي أصيب بنفس الحادث. المصدومون في المعركة والمعاقون في الحرب يستحقون كل العناية والاهتمام، هم ذهبوا إلى حرب لم يبادروا إليها ودفعوا ثمناً شخصياً فظيعاً. ولكنهم جميعاً ضحايا الحرب الوحيدون، تلك الحرب التي شنتها إسرائيل، وكلها حروب اختيارية غير ضرورية.

هل سمعتم ذات يوم عن مصدوم فلسطيني في المعارك؟ عن من أصيبوا بما بعد الصدمة في جنين؟ عن أشخاص أصيبوا بالذعر في غزة؟ هل يحتمل أن ضحايا المواجهات العنيفة بيننا وبينهم ضعيفة جداً إلى درجة أننا لم نسمع عن اضطرابات ما بعد الصدمة، ولم يسقطوا ضحيتها يوماً ما؟ هل يوجد للفلسطينيين قسم للترميم في وزارة دفاعهم؟ هل هناك من يهتم بهم؟.

إسرائيل تزرع الرعب في الأراضي المحتلة كأمر روتيني. في كل صباح يستيقظ فلسطينيون جدد وقد أصيبوا بالفزع، من بينهم أطفال اقتحم جنود الجيش الإسرائيلي وكلابهم بيوتهم ليلاً وزرعوا فيها الدمار والخوف، عمال يحاولون العثور على عمل في إسرائيل وتم اصطيادهم مثل الحيوانات، وشباب يحالون اجتياز الجدار وقام الجيش بإطلاق النار عليهم، أو مسافرون يأتون إلى الحواجز ويطلق عليهم الرصاص دون ذنب. هم جميعاً مصابون بما بعد الصدمة. على الأغلب، هم أيضاً يصبحون معاقين ومشلولين مدى حياتهم. هم من معاقي الجيش الإسرائيلي. هل تكون لإسرائيل أي مسؤولية عن مصيرهم؟.

ولكن لا أحد في إسرائيل يهمه أن يخرج محتجاً على هذا الأمر. جميعنا ايتسيك سعديان، لأن هذا مثير ويمس القلب. ولكن ربما يمكن، لو للحظة، القول: “جميعنا أسد شرحة، العامل ابن 18 سنة الذي يستلقي الآن في بيته وهو مصاب بصدمة المعركة ولا يستيقظ، بعد أن قام جنود حرس الحدود بإطلاق كلابهم عليه وتركوه مرمياً ومصاباً على أرضية مركز الشرطة ليوم كامل، إلى أن رموه ليلاً على الحاجز، وكل ذلك حدث في ذكرى يوم الكارثة.

فقراء مدينتنا أولاً، ومثلهم أيضاً المعاقون والمصابون بالصدمة. ولكن عندما يكون هناك انغلاق في القلب إلى هذه الدرجة المخيفة تجاه ضحايا إسرائيل، يصبح من الصعب الإصابة بالصدمة من المخصصات القليلة لجندي أصيب بحادث طرق أو حتى بصدمة معركة لمن ذهب إلى غزة كي يقتل الأبرياء.