ما أن أعلنت الهيئة المسؤولة عن مشروع مدينة حمد القطرية عن فتح باب التسجيل للاستفادة من مشروعها الإسكاني المقرر منحه لذوي الدخل المحدود في قطاع غزة، إلا وسارع آلاف المواطنين بالتسجيل عبر مواقع الانترنت المتخصصة ، سيما أن الجهة المخولة بمتابعة الملف برفقة ممثليه قطر بغزة هي وزارة الأشغال العامة والإسكان ضمن مشروع يحمل اسم ( إعادة إعمار قطاع غزة ) .

أصحاب الدخل المحدود والعاطلين عن العمل تسابقوا للتسجيل في هذا المشروع الذي كان من المقرر منحه من اللجنة القطرية لإعادة اعمار غزة كهبة غير مدفوعة الثمن وليس كمشروع استثماري !

مشروع مدينة حمد أساساً هو منحة قطرية لإيواء الأزواج الجدد غير القادرين على السكن أو العائلات الكبيرة التي ليس لها مأوى و عوائل الشهداء ، وتم وضع معايير واضحة قبل البدء بالمشروع الذي أُنشأ على أراضي المحررات غرب مدينة خانيونس ، وهذه الأراضي في معظمها أراضِ حكومية تمتلك صلاحية التحكم بها حكومة غزة التي تديرها حركة حماس ، المرحلة الأولى  من  المشروع تضمنت 1060 شقة كان من المقرر أن تُوزع للفئات التي ذكرت سابقاً.

لكن في بدايات العمل تبلورت لدى القائمين على المشروع فكرة بيع الشقق للمواطنين بأسعار رخيصة نسبياً واستعمال المال العائد في عمل مشاريع تنموية وإيواء جديد ، وذلك ليستفيد اكبر عدد ممكن من المواطنين إلى جانب تحريك عجلة الإعمار وتوفير فرص عمل لطبقة العمال والمهندسين ، باعتبار ذلك فكرة سامية، لكن التطبيق كان سلبياً للمعايير النظرية، إذ غٌيرت الفئة المستهدفة من المشاريع، من مئات الفقراء والمحتاجين وذوي الدخل المحدود إلى فئات تستطيع شراء الشقق وجلب مال لصالح الحكومة، وعندها تم اقتراح استخدام القرعة لمجموعة ممن تنطبق عليهم شروط القدرة المالية في سداد ثمن الشقة، وبعد إجراء أكثر من قرعة والقيام بعملية بحث عن المستفيدين بهدف النزاهة بالعمل، فرضت وزارة الإسكان والأشغال العامة  على المستفيدين من المنحة دفع مبلغ مقدم قدره 6000 دولار أمريكي ، و بعدها يتم  تقسيط مبلغ الشقة لغاية 20 سنة ليصل ثمنها 40000 دولار أمريكي .

 في هذه الأثناء أعلن السفير القطري محمد العمادي  أنه سيتم البدء في المرحلة الثانية من المشروع الذي يتضمن بناء ـ 1200 وحدة سكنية، مشيرا إلى أنه تم إنفاق 230 مليون دولار من أصل 460 مخصصة لمشروع مدينة حمد، من باب  أن قطر تبذل جهودا كبيرة لحل كافة مشاكل قطاع غزة والتخفيف عن السكان، مؤكدا أنه سيتم تمويل مشاريع أخرى بهدف تحسين الأوضاع المعيشية.

كان بادياً أن حديث " العمادي" يعلل نفسه فالمشاريع الإسكانية القطرية ( مدينة حمد) هي ممولة أو منحة مقدمة من الحكومة القطرية لأهالي قطاع غزة المحاصر منذ سنوات طويلة؛ للتخفيف من عبئ الحياة بعد ثلاث حروب مدمرة عاشها القطاع؛ الأمر الذي دفع القطريين بالوقوف إلى  من هدمت منازلهم تحت اسم ( اللجنة القطرية لإعادة اعمار غزة ).

وكانت قطر قد تبرعت في أكتوبر/تشرين أول 2012 (عقب الحرب الإسرائيلية الثانية) بنحو 407 مليون دولار، لإعادة إعمار قطاع غزة عبر تنفيذ مشاريع "حيوية" في القطاع، من بينها بناء مدينة سكنية تحمل اسم أمير دولة قطر السابق "الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني"، وتضم نحو 2500 شقة سكنية.

المستفيدون من المنحة عبروا خلال لقاءات منفصلة لـ" نبأ برس" عن غضبهم واستيائهم من القرارات والإجراءات التي فرضت عليهم من قبل وزارة الإسكان والإشغال العامة والتي خسر بعض المنتفعين من المنحة شقتهم التي كتبت لهم بعد فوزهم بالقرعة التي أجريت مسبقا .

وقال أحدهم أنه أُبلغ من الجهات المتخصصة بترشيح اسمه من خلال القرعة  للحصول على شقة سكنية في المشروع القطري وكان يظن أن الشقة هي منحة مقدمة من قطر لذوي الدخل المحدود والمدمرة بيوتهم إبان الحروب التي شنت على غزة خلال الأعوام السبعة الماضية ودٌعي الرجل إلى افتتاح المشروع كباقي المستفيدين بحضور شخصيات رفيعة من بينها ممثلين عن قطر ، ليتفاجأ بعدها بأن المدينة تحولت إلى مشروع استثماري يتم بيعها بنظام الأقساط .


حديث المستفيدين تناقض مع تصريح وكيل وزارة الإسكان والأشغال العامة " ناجي سرحان " الذي أكد في حديثه لـ" نبأ برس" عن وجود لجنة مشتركة قائمة لمتابعة ملف مدينة حمد .

ونفى أن تكون وزارته هي من فرضت آلية التقسيط بل كانت بتوافق مشترك بين اللجنة القطرية وبين الإسكان، مشيرا إلي أن أي مانح يشترط أن تكون للجهة المنفذة فائدة من وراء أي مشروع ، بالتالي "استفادتنا من هذا المشروع أننا قمنا بالتخفيف عن شريحة من المجتمع خضعت لشروط وانطبقت عليهم كافة الشروط وأهمها ألا يكون لديهم قطعة أرض أو بيت تمليك يزيد مساحته عن 70 متر".

وحول ملف اشتراكات المياه والكهرباء تساءل : كيف لنا أن نقدم اشتراك كهرباء أو مياه دون معرفة من هو صاحب الشقة !! إذن باسم من نسجل الاشتراكات ؟!! فكان الخيار الاصوب أن نترك الشقق بدون اشتراكات لحين معرفة من هم أصحابها ويقومون بالتسجيل للاشتراك حسب أصول العمل داخل شركة الكهرباء والبلدية .

يكمل " كنعان حماد" وهو احد المستفيدين من المشروع بأن إجراءات وزارة الإسكان لم تكن في مكانها الصحيح، واعتبرها ابتزاز واستغلال لمعاناة أهل قطاع غزة ، علما أن " حماد " يعمل أخصائي بصريات تخرج من ألمانيا وعاد لغزة ، حيث يسكن بالإيجار منذ عدة سنوات هو وزوجته وأبناؤه ، بالتالي كانت هناك مطالب تعجيزية لمستفيدي المنحة من خلال دفعهم مبلغ وقدره 1000 دولار بشكل مبدئي ، وعند تقسيم الخرائط فرضت عليهم الإسكان مبلغ وقدره 5000 دولار دفعة أولى ليتم تقسيط الباقي بعد ذلك على 20 سنة بمعدل شهري 200 دولار ، ما زاد من حجم الأعباء التي يمكنه تحملها شهرياً ، فكان " حماد " أحد الذين خسروا الشقة، بعدما عجز عن توفير الالتزامات التعجيزية .

وبين " حماد " خلال حديثه لـ" نبأ برس"  انه قام بمراسلة وزارة الخارجية القطرية برفقة مجموعة من المنتفعين عبر كتاب تم توقيعه منهم، لكن دون جدوى، بينما قام شخص آخر برفع قضية بمحكمة بداية غزة ضد وزارة الأشغال باعتبار ذلك ظلم يمارس ضدهم .

فيما لم تظهر حقيقة مصير بقية الشقق ، حيث تم توزيع ما يقارب 900 شقة من أصل 1060 شقة ، من بينهم 20 شقة ذهبوا لذوي الاحتياجات الخاصة، لكن مصير أكثر من 150 شقة بقي مجهولاً حتى الآن .

وبحسب الإحصائيات الأولية، فإن وزارة الأشغال العامة والإسكان بغزة  جنت مبلغاً فاق الـ 5 ملايين دولار في المرحلة الأولى من مدينة حمد، دون أن يعلم أحد أين ستذهب هذه الأموال !!؟ مع التذكير أن هناك أكثر من 150 شقة لم يٌعرف أصحابها حتى اللحظة .

واستفاد حتى هذه اللحظة 850 مواطناً من (المنحة) من أصل 900 فيما لم يتمكن 50 آخرين من دفع الأموال التي طالبتهم بها وزارة الأشغال .

وبالعودة إلى وكيل الوزارة الذي أكد خلال حديثه بأنه تم توزيع 1060 شقة بالتمام والكمال دون أن يتبقى شقة واحدة فارغة ، الأمر الذي تعارض مع تصريحات أصحاب الاختصاص وكذلك الأسماء المعلن عنها ممن استفادوا من المنحة .

ومما كشفه "سرحان" خلال إجراء هذا التحقيق أنه أنشأ صندوقاً خاصاً داخل بنك الإسكان - أحد البنوك المعترف بها لدى سلطة النقد تشرف عليه لجنة خارجية-  لرصد عوائد وأقساط المرحلة الأولى لإعادة تدويرها لمشاريع مشابهة أخرى، حسب تعبيره.


وبين "سرحان" أن هذه المشاريع لا يمكن أن تكون مثل (كابونة)  توزع مجانا على المواطنين كما يعتقد البعض، لان عوائد الأقساط تعود لمشاريع أخرى يتم إعدادها، حسب حديثه ، كاشفا بالوقت ذاته عن الأسعار الحقيقية للشقة الواحدة قائلا: "سعر الشقة دون بنية تحتية قدرت بحدود42 ألف دولار أمريكي ، وبعد التشطيب وصل ثمنها لـ" 60 " ألف دولار أمريكي، بالمقابل يتم بيعها بالتقسيط للمستفيدين بسعر 40 ألف دولار"، مع الأخذ بعين الاعتبار أن سعر الشقة 150 متر في وسط مدينة غزة لا يتجاوز الـ60 ألف دولار رغم أن سعر متر الأرض التي تبنى عليها الأبراج السكنية في منطقة كـ تل الهوا مثلاً يتجاوز الـ 500 دينار ، فهل يكون احتساب السعر منطقياً في مدينة بنيت في أراضى المحررات غرب خانيونس !.

وعند السؤال عن سعر متر الأرض في ذلك المكان أفاد عدد من تجار العقارات بالمنطقة الجنوبية أن سعر المتر للأرض لا يتجاوز ال50 دينار للمتر ، وهذا يدل على وجود غلاء بسعر الشقق إن كان هناك توافق بين المانح والجهة المشرفة على المشروع بالبيع .

في السياق ذاته أشار "حماد" إلي أن الإجراءات التي فرضت على الأشخاص الذين تمكنوا من دفع المبلغ المطلوب هي تعجيزية، إذ طلبت الوزارة من المستفيدين أن يكون لهم وديعة في حساب بنكي بـ ( البنك الوطني الإسلامي ) - مصرف أُنشأ لموظفي غزة وغير معترف به لدى سلطة النقد- ، فهل تعلم قطر بكل هذه الشروط والإجراءات ؟ قد يكون الأجدر بها أن تتعامل بشكل رسمي مع قنوات معترف بها وبنوك رسمية مسجلة لدى سلطة النقد .

ومن بين الأوراق التي تضمن حق الحكومة في نجاح سير أقساط الشقة هي كفالات لأشخاص يتقاضون رواتب من حكومة غزة ، بجانب سند دين منظم من المحكمة وهذا مكلف نسبياً،  بالإضافة إلي دفتر شيكات مكون من 10 ورقات والتوقيع على كمبيالات ، لضمان حق الجهات المتخصصة بالإشراف على المشروع .


ورأى " حماد " أنه تم التلاعب بالقرعة التي أجريت، وكانت النوايا مبيتة لتحويل المنحة لمشروع استثماري يتم من خلاله تدوير المبالغ التي تجنيها الأشغال والإسكان لصالح مشاريع أخرى ، حيث تم اختيار الأغلبية الكبيرة من المستفيدين من موظفين وكالة الغوث وسلطة رام الله ، ونسبة كبيرة منهم يسكنون في بيوت لهم، وليس بالإيجارات وقد يدل ذلك على وجود حالة من التلاعب والظلم لبعض العائلات التي تستحق المنحة حسب تعبيره!.

في ذات الإطار قام منتفع آخر بدفع ما طُلب منه من قبل وزارة الإسكان والأشغال العامة، وقال: "من المفترض أن نستلم قسيمة الشقة بها خدماتها الكاملة ، لكن تفاجئنا أن الشقق لا يوجد بها اشتراكات كهرباء ومياه ، مما زاد العبء بالتكاليف، وعند الذهاب لتمديد الاشتراكات نتفاجأ بطلب مبلغ مالي للحصول عليهم سواء من شركة الكهرباء أوبلدية خانيونس"، وتم إبلاغه من قبل البلدية بأن الشقة غير مرخصة ويجب دفع ترخيص للبلدية بقيمة 8 شواكل لكل متر مربع داخل الشقة التي تبلغ مساحتها 130 متر مربع، أي 1040 شيكل -قرابة 270 دولار أمريكي- !

بالمقابل أوضح المواطن " ابومحمد " لـ" نبأ برس" وهو أحد المستفيدين من المشروع  أن لديهم معلومات مؤكدة بأنه من المفترض أن تكون الشقق كاملة وجاهزة ، بالإضافة لوجود مولد كهربائي لكل بناية ، لكن لايوجد شيء من المذكور دون معرفة تفاصيل أكثر حول الأمر .

  الجدير بالذكر أن "أبو محمد" يعمل معلم في مدرسة تتبع لوكالة الغوث ويتقاضى مرتب يكفيه لسد احتياجات أسرته ويسكن في منزل ملك له، ما يدلل أن هناك فرضيتين لدخول موظف وكالة يتجاوز مرتبه الشهري الـ 1000$ إلى قرعة المدينة التي خصصت لذوي الدخل المحدود، فإما أن تكون الجهات المعنية أخطأت بعملية البحث بعد تلاعب " أبو محمد" بالأوراق الرسمية، ليثبت أنه لا يملك قطعة أرض ولا بيت ملك، أو أن "الأشغال" اختارته عمداً من بين آلاف المسجلين لما يتوفر لديه من ضمانات الالتزام بالدفع .

وانتقد بعض المغردين على صفحات التواصل الاجتماعي تحول المنحة القطرية للإسكان إلى مشروع استثماري بعد أن ظهرت عدد من الإعلانات الممولة التي تعرض شقق المدينة للبيع ، حيث قال الصحفي " فادي الحسني" مشروع مدينة سمو الأمير حمد كان مخصص لأسر الشهداء والأسرى والأيتام والفقراء، فما الداعي الآن لبيع هذه الشقق إن كانت الغاية منها هو الإيواء؟!. متسائلا : هل هي فعلا كانت ترف زائد عن حاجة هذه الشرائح من الناس؟.

واردف قائلا:  "اتفق مع من يقول إن من حق بعض المستفيدين تبديل مكان سكنهم انسجاماً مع ارتباطهم بالأماكن التي تربوا فيها، لكن أن يقام مكاتب عقارات خاصة بالتجارة في شقق هذه المدينة يعطي انطباعاً بأن حجم البيع كبير جداً وليس مجرد حالات، أليس كذلك؟".