لا تخلو تحقيقات الشاباك الإسرائيلي، بحق الفلسطينيين والعرب، من وسائل ضغط وتعذيب. هذه حقيقة واضحة، موثقة ولا لبس فيها، وترد شهادات عنها في تقارير أممية، تصدر تباعاً عن المؤسسات والجهات التي تتابع حقوق الإنسان. لكن أن يصل التعذيب والضغط إلى حد تجد المحكمة العسكرية الإسرائيلية أنها غير قادرة على تغطيته ومجاراته، فهي سابقة تدل على حجم التعذيب ومستوى فبركة الاتهامات.

هذا ما حصل مع "المتهم" البريطاني، من أصل لبناني، فايز محمود شرارة، الذي توجه من الأردن إلى الضفة الغربية، من دون أن تطأ قدماه أراضي عام 1948، بما يعرف بإسرائيل.

اعتقل على خلفية أصله اللبناني، وحقق معه على هذا الأساس، وفبركت بحقه لائحة اتهام، لأنه لبناني الأصل، تماماً كما يجري في هذه المرحلة، في كثير من الدول العربية، "المعتدلة"، التي أصدرت أخيراً أحكاماً بناءً على فبركات واضحة.

أمس، كشفت صحيفة "هآرتس" أن محكمة الاستئناف العسكرية الإسرائيلية (في الضفة الغربية)، أصدرت قراراً قضائياً الأسبوع الماضي، أبطل حكم المحكمة الابتدائية العسكرية، الذي كان قد قضى بإطلاق شرارة، بعدما ثبت لديها أن الاعترافات المنسوبة إليه، التي سيق بموجبها إلى المحكمة، جاءت عن طريق الضغط والتعذيب من محققي جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك).

حكم المحكمة الاستئنافية، قبل استئناف الشاباك، المعترض على الحكم الابتدائي، وأعاد احتجاز شرارة إلى أن تتم إجراءات محاكمته من جديد، علماً بأن لائحة الاتهام تتضمن نقل عشرات الآلاف من الدولارات إلى "تنظيم إرهابي محظور" (حركة حماس)، إضافة إلى تزويدها بهاتفين محمولين! وكان شرارة، 49 عاماً، من مواليد لبنان ومقيم في بريطانيا منذ 23 عاماً، قد وصل إلى الضفة الغربية في أيلول الماضي، واعتقل بعد أربعة أيام من وصوله على حاجز اللنبي، أثناء عودته إلى الأردن.

وتشير صحيفة هآرتس الى أنه في السادس من تشرين الأول الماضي، خضع شرارة للتحقيق لدى الشاباك، واعترف بما نسب إليه. مع ذلك، وجدت المحكمة العسكرية الابتدائية أدلة لا يرقى إليها الشك، أن الاعترافات انتزعت منه تحت الضغط والتهديد، و"استغلال فظ" لإضعاف إرادته.

في الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية العسكرية، الملغى لاحقاً من المحكمة الاستئنافية، يرد انتقاد شديد للشاباك. وقال قاضي المحكمة، بعدما صدر عنه حكم إطلاق شرارة، لا شك بأن المتهم خضع لأساليب ضغط وتهديد أدت إلى انتزاع الاعترافات منه.

قاضي المحكمة الاستئنافية، قال بدوره، رغم إبطاله حكم إطلاقه، إنه لا يجد دليلاً على ضرورة تكبيل المتهم بهذه الطريقة، بعدما وصل إليه مكبلاً بشكل مؤلم.

ويتضح من مجريات عملية الاعتقال والتحقيقات، وأيضاً مما ورد في سياق المحاكمة الابتدائية والحكم الصادر عنها، أنه لا أدلة فعلية تدين شرارة، حتى بموجب القانون الإسرائيلي الذي ينص على أن مساعدة الفلسطينيين ضد الاحتلال جرم يعاقب عليه القانون. طبعاً هذه ليست المرة الأولى التي ينتزع فيها الشاباك اعترافات تحت التعذيب، والمعتقلات تشهد على حالات كثيرة شبيهة، إلا أن "فبركة" الاتهامات كلها، من أساسها، على خلفية التعذيب، وبصورة فاضحة جداً وجدت المحكمة "أنها غير قابلة للشك"، تشير إلى أن إرادة الشاباك توجهت لاعتقال شرارة فقط على خلفية مكان تولده وأصله اللبناني، لا على "الفعل الجرمي" المنسوب إليه.

ومما يبدو أيضاً، أن إسرائيل تريد منع كل مواطن غربي، من أصل لبناني، التفكير بالتوجه إلى الضفة الغربية، مهما كانت الأسباب الموجبة لتوجهه هذا، بغض النظر عن وجود علاقة أو "تشغيل" أو انتماء لفصائل وجهات معادية لإسرائيل.

المصدر: "الأخبار" - يحيى دبوق