في السياسة لا يوجد ثوابت، المصالح تعلو فوق كل اعتبار، وتكاد تكون المتغيرات المفاجئة إحدى سماتها الثابتة، ووفق هذه الرؤية يمكن أن نحكم على الاستدارة المصرية تجاه قطاع غزة، فهي نموذجٌ أمثل للسياسة التي يغلب عليها المكتسبات دون المبادئ .

في الآونة الأخيرة طرحت الاستدارة المصرية تجاه مشاكل القطاع سيلاً من التساؤلات وأثارت استغراب المراقبين والسياسيين فضلاً عن الشارع الغزي، فكان استقبال القاهرة لمؤتمر العين السخنة للبحث في طريقة تفعيل التواصل المتبادل مع مصر حدثاً لافتاً بعد ثلاث سنوات من تشدد القيادة المصرية في التعاطي مع " حماس" .

وكذلك أوحي فتح معبر رفح بشكل لافت بجدية التساهل المصري مع غزة، ولم تكتفِ القاهرة بذلك إذ منحت فيما بعد رجال أعمال غزاويين بعض التسهيلات في حركة التنقل، إضافة إلى قيام وفد أوروبي مكون من 42 شخصا، بينهم 26 سفيراً لدول أوروبا بزيارة القطاع بشكل مفاجئ للاطلاع على أوضاع القطاع الإنسانية ثم تفقد وفد رفيع المستوي من الأمم المتحدة، برئاسة روبرت بايبر منسق الأمم المتحدة للشئون الإنسانية للمسافرين على المعبر.

المحلل السياسي الفلسطيني د.ثابت العمور أكد في حديث خاص لـ نبأ برس أن القضية الفلسطينية تشكل ضمانة حقيقية لمكانة مصر الإقليمية.

وأوضح أن استحضار القاهرة لملف قطاع غزة واتخاذ بعض الإجراءات لتحفيف الحصار عن القطاع يأتي كنوع من "النكاية" بالرئيس محمود عباس، مشيرا إلى أن مصر تريد أن تقول لعباس أن لديها أوراق قوية قادرة على تحريكها خاصة في ظل رفضه بإجراء مصالحة مع القيادي المفصول من حركة فتح محمد دحلان.

وأشار العمور إلى أن زيارة أبو مازن الأخيرة إلى قطر وتركيا التي استمرت لثلاثة أيام دون المرور على مصر كانت من أبرز ملامح التوتر القائم بين السلطة في رام الله والقاهرة.

وبين العمور أن هناك تحولات في الموقف المصري بشأن غزة ومن ضمنها عقد مؤتمر عين السخنة "1" و "2" وما نتج عنهما من قرارات بالإضافة إلى استقبال وفد الجهاد الإسلامي وما يدور حول انشاء منطقة تجارية حرة وفتح المعبر وسفر الطلاب وتزويد غزة بخط كهرباء مصري جديد.

وبشأن مراقبة (اسرائيل) للتطورات بين غزة والقاهرة قال العمور إن العلاقة القوية بين غزة والقاهرة لن تعطى (اسرائيل) فرصة للاستفراد بغزة وشن حرب عليها.

بدوره، أرجع المحلل السياسي الفلسطيني د. مصطفى الصواف التقارب المصري مع غزة إلى الوضع الاقتصادي المتأزم الذي تمر به مصر، مبينا أن انشاء منطقة تجارية حرة ستدر على مصر ما بين 6 إلى 8 مليارات دولارات وفق تقديرات خبراء الاقتصاد، خاصة في ظل حاجة مصر إلى العملة الأجنبية.

وأضح الصواف في حديث خاص لـ نبأ برس، أن الجانب المصري أصبحت لديه قناعة بأن قطاع غزة لا يمثل أي خطر على الأمن المصري، وأن كل ما أشيع خلال الفترات الماضية حول التدخل في شؤون مصر الأمنية سواء في سيناء أو غيرها ثبت بطلانها.

وأضاف :"مصر تريد أن تحقق مكانة إقليمية والورقة الفلسطينية هي الورقة التي يمكن أن تساعد القاهرة في العودة إلى ما كانت عليه في قيادة المنطقة العربية". مشيرا إلى أن الورقة الفلسطينية هي الأكثر ربحا للجانب المصري.

وقال الصواف إن الطرف الفلسطيني يدرك مصلحته ويسعى لكسر الحصار وإعادة الحياة مجددا للقطاع، مرجحا عدم وجود عقبات كثيرة في طريق الانفتاح المصري مع غزة بحيث أن هذا الانفتاح لن يكون على حساب الحقوق الفلسطينية الثابتة.

ورأي الصواف أن (اسرائيل) تنظر إلى كل تلك التطورات بريبة على الرغم من التنسيق العالي بين القاهرة و"تل أبيب"، وذلك لأن (اسرائيل) لا تريد رفع الحصار بشكل كامل عن القطاع وبالمقابل فإن الإجراءات المصرية قد تؤدى لرفع الحصار بشكل كبير وهذا أمر غير مقبول لدى الجانب الإسرائيلي لأنه يريد تحفيف الحصار فقط حتى لا يحدث انفجار في القطاع، معتقدا أن الخطوات المصرية تتم بتنسيق كامل مع الجانب الاسرائيلي.

موقع "والا" العبري كشف في تقرير نشره يوم الثلاثاء الماضي، عن قلق حكومة الاحتلال الإسرائيلي من الانفتاح المصري اتجاه غزة وتغير السياسة المصرية في تعاملها مع القطاع وأزماته في الآونة الأخيرة.

وأفاد الموقع بأن تغير الموقف المصري لم يكن مبنيا على التقارب مع حركة حماس بقدر ما هو فعلا مضادا يراد منه الضغط على السلطة الفلسطينية ربطاً بخلافات بينية، على حد زعم الموقع.

وذكر الموقع أن الحكومة الإسرائيلية تراقب السياسة المصرية اتجاه غزة، مشيرا إلى وجود تفكير مصري بسلسلة من المشاريع الاقتصادية، من شأنها أن تسمح بتحسين الوضع الاقتصادي في القطاع، وكذلك في شبه جزيرة سيناء.

وأشار إلى أنه من بين تلك الأمور، أن القاهرة تدرس إقامة منطقة تجارة حرة في معبر رفح، مع الإشارة إلى أن ذلك يأتي في سياق ارتفاع كبير جداً في حركة نقل البضائع المصرية عبر المعبر إلى غزة، الأمر الذي من سيحدّ من فاعلية الحصار ونتائجه، ويخفف الضغط على الفلسطينيين.

ولفت الموقع العبري إلى أن "تل أبيب" تنظر إلى ما يمكن وصفه بـ"مسار تغيير" في الموقف المصري عاملين اثنين، أولهما أن ما يجري من تحوُّل في المقاربة المصرية تجاه غزة وحكامها، مبني على الأزمة الحالية بين القاهرة ورئيس السلطة محمود عباس، حول الدعم المصري للقيادي المطرود من حركة فتح محمد دحلان، وسعي القاهرة إلى تعزيز مكانته.

ويضيف الموقع أن العامل الثاني يكمن في أن هناك توجه داخلي مصري لتحسين الوضع الاقتصادي لسكان سيناء، كضرورة من ضرورات مواجهة الصعوبات الأخيرة في محاربة "داعش" هناك، من خلال كسب دعم السكان المحليين عبر فتح نافذة اقتصادية لهم نحو القطاع، تعيد فتح قنوات التواصل والمكاسب مع غزة، بعدما قطع ذلك في أعقاب سد الأنفاق وحركة تهريب البضائع بين الجانبين.