ستظل قصة رأفت الهجّان وكل قصة وطنية وقومية مقاومة في مصر كما في لبنان وسوريا والعراق، وستمكث في الأرض بحقائقها وقِيَمها وجوهرها الثمين، أما إسرائيل وداعشيها من الإعلاميين والساسة في بلادنا وتابعيهم وتابعي التابعين بغير إحسان، فسيذهبون جفاء.. هكذا تقول سُنن التاريخ وحقائقه!

فجأة وقبل أيام عدّة اتهمت صحيفة (هآرتس) الإسرائيلية، البطل المصرى رفعت الجمال الشهير بـ(رأفت الهجّان) بأنه كان جاسوساً لإسرائيل وأنه لم يكن يعمل لصالح مصر وأن مشغّليه من الصهاينة، وفي مقدّمهم العميد المتقاعد "إفرايم لابيد" الذي وجِدَ مقتولاً في حادث سيارة عن عمر يناهز ال 90 عاماً منذ أيام في تل أبيب، أن هؤلاء قد اكتشفوا تجسّس رأفت الهجّان منذ قدم إلى إسرائيل عام 1956، هذه (الرواية الصهيونية الجديدة) تم تناقلها عبر العديد من وسائل الإعلام العربية، خاصة الخليجية وتلك التابعة لتنظيمات الإرهاب الديني، وفي الواقع هي لم تكن المرة الأولى التي يكذب فيها الإسرائيليون بشأن (رأفت الهجّان) ولكنها تُعَدّ المرة الخامسة عشرة في تاريخ الكذب الصهيوني تجاه شخصية رأفت الهجّان، منذ أذيع مسلسله الشهير الذي لعب الفنان الراحل / محمود عبدالعزيز دور البطولة فيه، ترى لماذا الآن تصدّر إلينا إسرائيل هذه الرواية (الأكذوبة) مجدّداً ؟ ولماذا يفرح البعض خاصة من الاتجاه السلفي الداعشي والخليجي لهكذا روايات ويضخّمها وكأنه أمام أسرار جديدة لم تُنشر من قبل؟ وما هي الدلالات الأهم في هذه المسألة بوجهيها (الإسرائيلي) و(الداعشي الخليجي)؟.
 
للإجابة دعونا نسجّل ما يلي:

أولاً: قصة رأفت الهجّان، والتي باتت الآن حقائقها معلومة للكافة، تقول سطورها باختصار أن ثمة شاباً مصرياً وطنياً، يمتلك قدرات عقلية وسياسية فذّة، تم ذرعه في العام 1956 في قلب الكيان الصهيوني حاملاً إسماً يهودياً هو (جاك بيتون) وبعد أن تم تدريبه جيّداً داخل المخابرات المصرية، وبعد إتقانه للعبرية وللتقاليد الدينية والاجتماعية اليهودية، واستمر داخل الكيان لأكثر من 18 عاماً من دون أن يُكتشف، وكان يعمل في السياحة وبغطاء ودعم من مخابرات بلده واسع النطاق دولياً وإقليمياً وفّرته له المخابرات المصرية، واستطاع أن يخترق الطبقة السياسية والعسكرية الصهيونية بجدارة وذكاء إلى الحد الذي تمكّن فيه من مصادقة (بن غوريون) و(غولدا مائير) و(موشي دايان) وغيرهم، وأن يقدّم معلومات ثمينة للغاية للجانب المصري الذي استفاد من بعضها وفشل في الاستفادة من البعض الآخر نتيجة أخطاء في جهاز المخابرات خاصة قبل هزيمة 1967، وبعد تقاعده استطاع (رأفت الهجّان) أن ينتقل بأسرته (كانت زوجته ألمانية وأنجب طفلاً منها) إلى العمل في قطاع البترول وتعاون مع الدولة المصرية في نهاية السبعينات في هذا المجال، إلى أن توفّى مريضاً بالسرطان عام 1982، تاركاً وصيّة مطوّلة، وقصة بخط يده نشرها لاحقاً مركز الترجمة والنشر بمؤسسة الأهرام، ولاحقاً جاء الأديب المُبدع الراحل (صالح مرسي) ليقدّم لنا ملحمة رائعة الجمال عام 1988 تحمل إسم (رأفت الهجّان) لتصير عملاً درامياً كان ينتظره المصريون والعرب يوماً بيوم للمشاهدة التي أثارت روحاً وطنية واسعة بين الشباب المصري وقتها (نهاية الثمانينات) إلى درجة أن عدداً كبيراً منهم وبحُسن نيّة وعشق للوطن – وفقاً لصحافة ذلك الزمان – ذهب ليتطوّع في العمل بالمخابرات المصرية تأثراً بشخصية وبطولة (رأفت الهجّان) !!.
 
ثانياً: منذ الكتابة الصحفية، والمشاهدة التلفزيونية في النصف الثاني من الثمانينات من القرن الماضي عن بطولة (رأفت الهجّان)، والكيان الصهيوني لا يكفّ عن محاولة تشويه هذا البطل المصري، وتُعدّ الرواية الكاذبة الأخيرة لصحيفة (هآرتس) هي الرواية رقم 15 في تاريخ الروايات الإسرائيلية الكاذبة بشأن هذا البطل – كما سبق وأشرنا وكما قلنا في أكثر من موضع - يتذكّر جيلنا أنه عندما عُرِضَ المسلسل الذي لعب بطولته الراحل الجميل محمود عبدالعزيز حاولت إسرائيل بإعلامها ومخابراتها تشويه هذا البطل والادّعاء عليه بنفس الدعاوى المنشورة في هآرتس هذا الأسبوع، فخرجت يومها المخابرات المصرية عن صمتها المعتاد – لأنها كأي جهاز مخابرات مُحترم لا يتحدّث عن بطولاته إلا في سياق محدّد ولأهداف محدّدة – خرجت عبر بعض رجالها  السابقين ممن اشتغلوا في قضية الهجّان ومنهم اللواء الراحل محمّد نسيم الشهير بـ (قلب الأسد) وتحدّوا العدو أن يقدّم معلومات محدّدة عن رأفت الهجّان تتصل بعلاقاته وأعماله طيلة أكثر من 18سنة من التخفّي والعمل الوطني البطولي داخل الكيان الصهيوني وصل فيه إلى صفوة صنّاع القرار ومراكز العمل الاستراتيجية واخترقهم. وكان سبباً رئيسياً في انتصار أكتوبر 1973 من خلال المعلومات الثمينة التي قدّمها عن خط برليف. واخترافه شخصيا له، بل وذهابه إليه وتصويره من الداخل.
 
ثالثاً: أما لماذا الآن ففي تقديرنا أن الهدف تحديداً وبشكل قاطع هو إشغال مصر ونُخبتها السياسية والعسكرية والإعلامية بقضايا فرعية كاذبة، فضلاً عن رغبتهم الدفينة في تشويه أية بطولة وأي رمز بطولي عمل ضدّهم لإفقاد الأجيال الجديدة من أبناء هذا الشعب الثقة بالنفس وبالأبطال الكبار من مقاومينا، خاصة أن أجهزة الموساد وإعلامها تقدّم ذلك عادة في قالب قصصي مسلٍ يخدع البعض منا للأسف، إلا أن وثائق المخابرات المصرية ورجالها أكدّوا إعلامياً منذ الثمانينات وحتى اليوم أن رأفت الهجّان .. أو رفعت الجمّال كان وطنياً مخلصاً لوطنه وعروبته.
وخبراء الموساد الذين روّجوا لهذه الرواية التي يصفونها بـ(الجديدة) يعلمون أن مصر تخوض الآن حرباً متعدّدة الجبهات، من مقاومة الإرهاب إلى الحرب مع الاختراق الصهيوني والأمريكي، ومطلوب إضعاف الإرادة الوطنية وإفقادها الثقة في كل مكوّنات الدولة السياسية والأمنية، وفي كل موروثها الوطني ورموزه المجاهدة، وأن يتم الانتقاص من بطولاتهم الفذّة وتقديمهم باعتبارهم (جواسيس) و(خونة) !!، حتى لا يتم البناء مجدّداً على هذه البطولات أو الاقتداء بها، وهذا بالمناسبة يتم العمل به إسرائيلياً ضدّ الأعمال البطولية العظيمة للمقاومة اللبنانية والفلسطينية والسورية، منذ عقود، حتى يفقد الجميع الثقة في (مقاومته) ورموزها من خلال روايات وأقاصيص مُفبركة سرعان ما تسقط أمام حقائق التاريخ!!.
 
رابعاً: ولكن إذا كان مفهومنا أن يقوم الكيان الصهيوني بترويج الأكاذيب عن بطولات رموز المقاومة المصرية والعربية ومنهم رأفت الهجّان، فإن من غير المفهوم أن يحتفي بهكذا أكاذيب الإعلام الخليجي والداعشي والسلفي و" المُتأخون " في مصر والبلاد العربية كما تابعنا خلال الأسبوع الماضي للأسف.. لماذا ؟ في تقديرنا أن هذا الإعلام وتلك الجماعات المُتأسلمة والأنظمة الداعمة لها في الخليج، يكرهون الإرث الوطني المصري وبخاصة ما أنجز فيه في زمن عبد الناصر تحديداً و(رأفت الهجّان) كان (مُنتجاً) وطنياً وقومياً ناصرياً بامتياز، هم يكرهون هذا الإرث ويعبّرون عن الكراهية كل حين بروايات وأكاذيب مختلفة؛ حتى لو كانت صهيونية، وإذا أضفنا إلى ذلك رغبتهم الحثيثة في تحطيم الدور القومي المصري، وقتل الشعور الوطني المعادي للصهاينة حتى يصير المواطن (المصري أو العربي العادي) بلا قدوة وبلا تاريخ، ومثلهم؛ (رُعاة إبل)، حتى لو امتلكوا مليارات النفط الملّوث !! ولكنهم في الأصل بلا ثقافة وتاريخ ودور، ويصبح الصلح مع الكيان الصهيوني والتعامل مع المخابرات الأمريكية في تدمير سوريا ومصر (سيناء) والعراق وليبيا، لديهم أمر طبيعى ومنطقي، طالما أن (رأفت الهجّان)، بل ربما عبدالناصر من وجهة نظرهم، كان جاسوساً إسرائيلياً، يريدون أن يصبح الجميع وبخاصة المصريين، بلا ذاكرة وبلا إحساس وبلا دور قومي معادٍ للصهاينة مثلهم، هنا – وهنا تحديداً - التقى الصهاينة في روايتهم الكاذبة عن رأفت الهجّان مع (الداعشيين) بإعلامهم وجماعاتهم ودولهم الخليجية، فروّجوا للأكذوبة الجديدة على أوسع نطاق، كما تابعنا في الأيام الماضية.

لكن.. نحسب أن الزبد بطبيعته ودوره... يذهب جفاء، وما ينفع الناس يمكث في الأرض، هكذا كانت، وستظل قصة رأفت الهجّان، وكل قصة وطنية وقومية، مقاومة، في مصر كما في لبنان وسوريا والعراق، وستمكث في الأرض بحقائقها وقِيَمها وجوهرها الثمين، أما إسرائيل وداعشيها من الإعلاميين والساسة في بلادنا وتابعيهم وتابعي التابعين بغير إحسان، فسيذهبون (جفاء).. هكذا تقول سُنن التاريخ وحقائقه !! والله أعلم.

المصدر: "الميادين" - رفعت سيد أحمد