نشأت وبهاء وباسل نماذج عن شبّان فلسطينين أتوا إلى هذه الألفية من منشورات الستينات والسبعينات بالنسبة للبعض، الحقيقة إن في الأمر بعض الصحة. ولكن الواقع يقول إنهم أبناء يومهم وفي نفس الوقت هم أبناء نضال طويل بدأ في 1948 إن لم يكن في ثورة 1936 لتحرير فلسطين، بالوعي الذي يُحدّد وجهة البندقية.

استشهاد باسل الأعرج بعد اشتباك مع قوة خاصة من جنود الاحتلال الذين طاردوه لأشهر، يأتي في لحظة فلسطينية فارقة.

باسل ورفاقه الشهداء على مدى سنوات منذ اندلعت موجة الانتفاضة الأخيرة نهايات عام 2015، راكموا بدمهم حال رفض شعبية للاحتلال ولكل الاتفاقات المعقودة معه.

هذه محاولة قراءة معاني استشهاد ثلاثة من الشبّان الفلسطينين هم نشأت ملحم من قرية عرعرة في الجليل والمحتلة منذ العام 1948، وبهاء عليّان من جبل المكبر في القدس، وباسل الأعرج من قرية الولجة الواقعة ضمن المنطقة "ج" في اتفاقية أوسلو.

على وَقع رصاصاته، بدأ عام 2016. الشاب الذي يحمل الجنسية الإسرائيلية أثبت مُجدّداً أن من يسمّون بعرب 48 لا ينفصلون عن بُعدهم الفلسطيني برغم كل محاولات احتوائهم من قِبَل الاحتلال. في قلب تل أبيب، وجّه نشأت ملحم رشّاشه الفالكون ليُردي صهيونيين وليجرح ثمانية آخرين، قبل انسحابه بأمان من موقع العملية التي عُدّت خرقاً أمنياً مؤثراً لدى الاحتلال.

بعد مطاردة دامت أسبوعاً، شارك فيها جنود ورجال شرطة واستخبارات، قتلت قوات الاحتلال نشأت ملحم في قريته عرعرة في الجليل المحتل. تصفية الشهيد لم تكن سهلة، إذ اشتبك بالرصاص مع الاحتلال حتى اللحظة الأخيرة.

نشأت الذي كان اعتُقل سابقاً لمحاولته تجريد جندي إسرائيلي من سلاحه عام 2007، حظيَ بمساعدة كبيرة من سكان قريته برغم تهديدات ومُضايقات الاحتلال لهم، وفقاً لوسائل إعلام الاحتلال.

معنى 1: البيئة الحاضنة لها أثر فعّال  في إرهاق إسرائيل وإطالة أمد مطاردتها للمقاومين عبر تسهيل اختفائهم لوجستياً.

معنى 2: أهل 48 شركاء أساسيون في كل مراحل نضال الشعب الفلسطيني برغم كل محاولات الاحتلال عزلهم عن بُعدهم الوطني  (هبّة اكتوبر إضافة إلى عشرات الأسرى في سجون الاحتلال هم أبلغ الأمثلة على التلاحّم الفلسطيني في كل مكان)

خاض هذا الشاب المقدسي إحدى أكثر معارك المقاومة الفلسطينية أخلاقية على مدى دقائق هو ورفيقه بلال أبو غانم قبل استشهاده برصاص الاحتلال واعتقال بلال.

في 13تشرين الأول/أكتوبر 2015، نفّذ الشابان عملية مزدوجة داخل حافلة إسرائيلية في مستوطنة "أرمون هنتسيف" المقامة على أراضي جبل المكبر، الذي ينتمي إليه بهاء. طلب بهاء وبلال من الأطفال والمُسنّين مغادرة الحافلة قبل إطلاق نيران مسدس بحوزتهما وطعن المستوطنين في الباص. 3 قتلى و15 جريحاً. 

استشهد بهاء وسُجِن بلال. سرّب بلال رسالة من سجنه حيث حُكِم عليه ب3 مؤبّدات و60 عاماً من السجن يقول فيها:" امتنعنا عن قتل الأطفال وكبار السنّ من المستوطنين في عملية القدس لإيماننا أن المقاومة الفلسطينية تقوم على أسُس دينية وحضارية".
 
مَن يعرف بهاء يُدرك تماماً أن أخلاقيته في اللحظات الأخيرة ليست صدفة، هو المثقّف المرح والشاب المبادر الذي يُنسب له فضل إدخال سلسلة قراءة حول أسوار القدس إلى موسوعة غينيس. إذ بادر بهاء إلى الدعوة لهذه السلسلة بمواجهة حملات التسويق لفلسطين في الموسوعة العالمية باعتبارها بلد أكبر صدر كنافة وأكبر صحن حمص. لبّى دعوة بهاء نحو 7000 قارئ زنّروا القدس بأجسادهم وكتبهم. أراد بهاء لمدينته وأهلها أن يقرأوا وأن يعوا في تضاد مع محاولات تحويلهم ألى مستهلكين لمعنى فلسطينيّتهم: تحويلهم إلى أبناء الشعار لا الفعل. 

ثم تركهم مع إرث الكلمات والوعي هذا، ورحل باتجاه الاشتباك الوحيد الذي يتوّج ثقافته ومعرفته: المواجهة المباشرة مع الاحتلال.

معنى 1: المثقّف لا ينفصل عن هموم وأوجاع أهله وناسه. حرق عائلة الدوابشة وتكرار الاعتداءات على المقدسيين أسباب مباشرة لتصميم بهاء على مقاومة الاحتلال بطريقته.

معنى 2: المقاومة ليست ثأراً ولا ردّة فعل، هي نمط حياة جسّدها بهاء في حياته وعمله الكشفي التطوّعي واختياره نوعيّة عمليته المقاومة.

معنى 3: المقاوم ليس مقاتلاً عقائدياً ولا دينياً  ولا حزبياً فقط، هو بالدرجة هو مقاتل ينتمي إلى قضية تحرّكه وتعنيه. وهذا ما أراد بهاء تثبيته من خلال وصيّته: "أوصي الفصائل بعدم تبنّي استشهادي، فموتي كان للوطن وليس لكم".

أما باسل الأعرج، فهو الذي تكثّف في استشهاده الكثير الكثير من المعاني في لحظة فارقة فلسطينياً. بعد عامين ونصف العام تقريباً على اندلاع موجة الرفض الأخيرة في كل الأراضي الفلسطينية، يأتي استشهاد هذا الشاب، الصيدلي، الحكّاء، المؤرّخ شفوياً لتاريخ فلسطين وتراثها غير المادي، والمشتبك مع أجهزة أمن السلطة الفلسطينية ومع الاحتلال في كل مناسبة. يأتي استشهاده ليدفع الكُثُر إلى حسم خياراتهم الحياتية والنضالية.

 استشهاده في اشتباك يفتح أبواب التساؤل عن دور المثقّف في مجتمعه. دور أجاب عنه بهاء على طريقته وكذلك نشأت، وجاءت إجابة باسل لتترك لنا نحن الأحياء أن نبحث عن أجوبتنا الخاصة. فلسطينيون عديدون بدأوا حفر هذه الأجوبة في شوارع رام الله وعلى حواجز الولجة وفي المخيّمات، مثيرين شغباً لا يريده الإحتلال لمشروع السلام الوهمي الذي يريد إرساءه في الضفة الغربية لفلسطين المحتلة.

هؤلاء الذين ضربوا وتورّمت أجسادهم مرة وشاهدوا إن أبا شهيد قد يُضرَب مثلهم من دون أي احترام لمكانته المعنوية من قِبَل أجهزة السلطة، سينزلون مجدّداَ إلى الشوارع وسيعلون الهتاف وسيطوّرون أساليب رفضهم لكل ظلم وجور. هؤلاء، وجلّهم شبان، تشكّل وعيهم في مرحلة ما بعد أوسلو، وسمعوا بالثورة والكفاح والفدائيين أو قرأوا عنهم كخلفية تاريخية لواقعهم، يصنعون اليوم نموذجهم النضالي الخاص، مهتدين بأمثولات شبابية من واقعهم، جسدها أمثال باسل وبهاء ونشأت الذين اشتركوا في إجابتهم الواضحة: الاشتباك مع الاحتلال هو الدور الأساس للمثقّف.
 
معنى 1: كل مثقّف هو بالضرورة مقاوِم، وأيّ مثقّف يدّعي دعم المقاومة لا يُعطي الاعتبار الأساس للبندقية وللخيار العسكري ،لا يستحق أن وصف المثقّف بحسب تعريف غرامشي للمثقّف العضوي.
 
معنى  2: التجربة الفلسطينية العامة وتجربة باسل تثبتان إن إيّ مقاومة لا تشتبك بالسلاح قاصرة، وإن قدرة أيّ خيار مقاوِم في الاشتباك مع الاحتلال تبقى رهناً بعدد رصاصاتها، إضافة إلى وعي مَن يُطلقها، وإلا فقدرتها على التأثير في احتلال مُدجّج بألف سلاح وألف كذبة تاريخية هامشية، إذا لم تكن معدومة.
 
معنى 3: نشأت وبهاء وباسل نماذج عن شبّان فلسطينين أتوا إلى هذه الألفية من منشورات الستينات والسبعينات بالنسبة للبعض، الحقيقة إن في الأمر بعض الصحة. ولكن الواقع يقول إنهم أبناء يومهم وفي نفس الوقت هم أبناء نضال طويل بدأ في 1948 إن لم يكن في ثورة 1938 لتحرير فلسطين، بالوعي الذي يُحدّد وجهة البندقية.

المصدر: "الميادين" - ملاك خالد