زاد الحديث خلال هذه الفترة على لسان كتاب ومحللين سياسيين ووسائل إعلام فلسطينية عن إمكانية إقدام حركة حماس على إجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل كخيار للخروج من الحالة الراهنة ولإنقاذ الحالة التي وصل إليها قطاع غزة بفعل إجراءات رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الأخيرة وظهور مشكلة الرواتب والكهرباء والوقود على السطح مرة أخرى والتلويج بإجراءات عقابية جديدة أخرى.

 لكن السؤال الذي يطرحه البعض الآن وبقوة ومع قرب الإعلان الرسمي عن وثيقة حماس السياسية الجديدة، هل ستقبل حماس بأن تكون المفاوضات هذه المرة مباشرة مع إسرائيل خلال المرحلة القادمة؟ إذ يعد البعض ذلك نضوجاً سياسياً وغير مرفوض شرعاً أو عقلاً، وأن التفاوض أداة تفرضها تكتيكات إدارة الصراع، ضمن رؤية وقواعد وضوابط تحكم طبيعة التفاوض وأن حماس حركة مقاومة قوية لها الأحقية في طرح مطالبها مع إسرائيل بشكل مباشر؟ فيما يعارضه آخرين وبشدة ويعتبروه ليس هذا هو خيار حماس في إدارة الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي.

لقد سألت بعضاً من قادة حركة حماس السياسيين خلال السنوات الماضية وحتى في الأشهر الأخيرة ومنهم د.خليل الحية نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في قطاع غزة عن إمكانية لجوء حماس لمثل هذا الخيار، إلا أنني وجدت إجابة واحدة واضحة لا تفسير فيها ولا تأويل بأن خيار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل أمر مستبعد وأن لا تغيير طرأ في مواقف وسياسة حماس من هذا الموضوع.

أما بشكل عام فما عرفته عن حماس كحركة مقاومة فلسطينية تشكل رأس حربة المقاومة في فلسطين أن لديها الجرأة والشجاعة الكافية لتعلن مواقفها بكل وضوح تجاه قضية حساسة كهذه، ولن تتردد في ذلك لحظة، وسبق أن أعلنت موقفاً صريحاً، حيث قالت فيه إن المفاوضات المباشرة مع “إسرائيل” ليست ضمن سياسة الحركة، وليست مطروحة في مداولاتها الداخلية، وهذه السياسة المعتمدة في حماس”.

رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل في تصريحات سابقة له جدد أيضاً موقف حماس الثابت بأن خيار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل “خيار خاطئ"، وأن حركة حماس رفضت التفاوض بشكل مباشر مع إسرائيل، كما أشار آنذاك لوجود عروض أخرى بالجلوس مع قيادات رسمية إسرائيلية، وشخصيات محسوبة على معسكر السلام لكن الحركة رفضتها، معللاً ذلك بأنها تعد خدمة للاحتلال الذي يرفض الانسحاب من الأرض والاعتراف بالحقوق الفلسطينية، واصفاً التفاوض معه بهذه الحالة بـ "العبث والمقامرة ".

حركة حماس لا تنظر لخيار المفاوضات مع إسرائيل كمخرج لإنهاء الصراع واستعادة الأرض والحقوق، وإنما تعتبر وتعتمد المقاومة بأشكالها كافة هي من ستحقق ذلك، ومع ذلك لا تمانع تدخل طرفك ثالث كوسيط لتحقيق أو إنجاز أي قضية تحقق مكاسب للشعب الفلسطيني وصفقة وفاء الأحرار التي خرج بموجبها 1027 أسير وأسيرة ليست عنا ببعيد وخير دليل على ذلك.

واذا ما استحضرنا تجارب المفاوضات المباشرة تاريخياً في عدد من الدول وهل من الممكن أن تقتدي حركة حماس بهذه النماذج في إمكانية مفاوضة إسرائيل بشكل مباشر، سنجد مثلاً تجربة الزعيم عمر المختار وإجراءه مفاوضات مع المحتل الإيطالي، وتجربة الثوار الفيتنام الذين فاوضوا الأمريكان في فرنسا.

هذه نماذج حقيقية للمفاوضات المباشرة مع الاحتلال.. لكن الناظر للحالة الفلسطينية سيجدها تختلف تماماً عن التجارب التاريخية سالفة الذكر، فقضية فلسطين ذات بعد عقائدي بالدرجة الأولى وإسرائيل دولة محتلة قائمة على الأرض الفلسطينية حيث المشكلة الرئيسية بين حماس والاحتلال هي مشكلة وجود بالأساس، كما أن البعد العقائدي يعد من أهم مرتكزات حركة حماس في التعامل مع هذه القضية في الوقت الذي يبني كل من حركة حماس وإسرائيل مشروعه الكبير على شطب وإنهاء الآخر، حتى في ظل الحديث عن تقديم حماس مرونة سياسية مرحلية بقبول دولة على حدود عام 67 كحل مرحلي فهي تؤكد وبكل وضوح عدم اعترافها بإسرائيل وعدم أحقيتها في سرقة الحقوق واحتلال الأرض الفلسطينية، وأن فلسطين كل فلسطين هو مشروعها الاستراتيجي.

أعتقد أن من أهم الأسباب التي تجعل حركة حماس تفكر ألف مرة قبل القدوم على هذه الخطوة، هو أن التفاوض المباشر مع إسرائيل من وجهة نظري يعني الاعتراف بوجودها، وكذلك تخوفها من الهرولة العربية تجاه دولة إسرائيل وإقامة العلاقات الرسمية والعلنية والتطبيع مما يشكل غطاءً عربياً ويشرعن وجودها كدولة احتلال فوق الأرض الفلسطينية، كما ويشكل خطراً حقيقاً محدقاً على العمق العربي والاسلامي في دعمه لقضية فلسطين كقضية مركزية في المنطقة، ناهيك عن التجربة العبثية الفاشلة للسلطة الفلسطينية في مفاوضاتها طيلة "25" عاماً والتي لم تجني منها إلا صفر كبير مقابل التزامات أمنية.

صحيح أنه لم يكن تاريخ حركة حماس حافلاً بالمفاوضات مع إسرائيل باستثناء محطات قليلة من المفاوضات "غير المباشرة" في ملف تبادل الأسرى الذي أنجز بوساطة مصرية، لكننا ننتظر لحظة إعلان حركة حماس وثيقتها السياسية الجديدة، وكما قال عضو المكتب السياسي في الحركة صلاح البردويل خلال لقائه بالكتاب والمحللين السياسيين عقده يوم الخامس والعشرين من ابريل الجاري أن وثيقة حماس الجديدة هي وثيقة وطنية بامتياز وليست نابعة من ضعف ووجهت بعناية وبعد دراسات شاملة وواثقة تجاه كل القضايا وهي وثيقة تخاطب الشعب والمقاومة والقوى الفلسطينية والدول العربية .

السؤال هنا.. هل سنشهد فعلاً مفاجأة في وثيقة حماس السياسية الجديدة تجاه موضوع التفاوض المباشر مع إسرائيل ونعتبره تطوراً في سياستها في إدارة الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، أم سيبقى موقف حماس ثابتاً كما هو معروف تجاه هذا الموضوع واعتماد منهجية التفاوضي غير المباشر عبر وسيط؟ ننتظر ونرى.