في نهاية العشاء الذي أقيم على شرف رئيس الولايات المتحدة الأميركية وزوجته في مقر الإقامة المتواضع لرئيس الحكومة وعائلته تم تقديم حلوى على شكل رقعة شطرنج وقد دمجت فيها صور دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو. ولم يكن هذا الأمر مفاجئاً ذلك أن نتنياهو يعتقد أنه لاعب شطرنج محترف ويستطيع حساب مئات الخطوات إلى الأمام. أي أن باستطاعة رئيس الحكومة أن يقول لشعبه، بذكاء لاعب الشطرنج، لقد استطعت أن أعرف إلى أين يسير العالم، وزامنت ذلك مع المستقبل. ومن مثلي مناسب لقيادة إسرائيل في الوقت الذي يمسك فيه ترامب دفة قيادة الإمبراطورية الأميركية؟ 
 
في المقابلة التي كان نتنياهو قد أجراها مع "هآرتس"، في السنة الماضية، عرض خارطة العالم وتفاخر بعلاقات إسرائيل المتشعبة في ظل قيادته. وقال إن إسرائيل تواجه تعاملاً متحفظاً في مكان واحد فقط، وحتى هذا الأمر تتم معالجته، وأشار بالمؤشر الليزري باتجاه القارة الأوروبية.

ولم تكن هذه المرة الأولى التي يُظهر فيها نتنياهو الاستخفاف بغرب أوروبا. فهو منذ أن بدأ برحلاته باتجاه الشرق، بهدف فتح إسرائيل على أسواق جديدة، غمز من قناة أوروبا بوصفها قارة في طور الانحدار. وكأن أوروبا هي مرجعية هامشية في تاريخ وثقافة وهوية دولة إسرائيل. ومع ذلك، "في بازل أقمت دولة اليهود"، كتب هيرتزل. وبغض النظر عن اليهود، فإن هذه نبوءة خطيرة ومثار شك. ولكن حتى لو افترضنا أن نتنياهو مصيب، وأن أوروبا "تنهار"، فما الذي يعنيه هذا بالنسبة للعالم، ولماذا يجب على إسرائيل أن تفرح لذلك؟ 
 
لم يتم، إلى الآن، هضم فوز ترامب. ذلك لأن الحديث يدور عن رئيس غامض، يصعب جداً أن نفهم إلى أين يسير، وعملية الهضم هذه تتم ببطء وحَذَر شديدين. ومع فوز مع امانويل ماكرون في الانتخابات الفرنسية بدأت تظهر براعم الرفض في أوروبا. فها هو ماكرون يمر من أمام ترامب (ويتجاهله) ليصافح قبله المستشارة الألمانية، وها هي أيضاً مشاحنة على التويتر بين أنجيلا ماركل وترامب. ومستقبل العلاقات بين أميركا ترامب والاتحاد الأوروبي أبعد ما يكون عن الوضوح. ومن الصعب التقدير إذا ما كان الانسحاب الأميركي من اتفاقية المناخ سيشكل خطوة شاذة في مجمل علاقات الشراكة بين أميركا والعالم أم أنه سيشكل خطوة رمزية تؤشر إلى مستقبل حلف شمال الأطلسي (الناتو).
 
إن تعكير صفو العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية سيضع إسرائيل في وضع جديد، والذي سيكون لزاماً عليها فيه أن تسأل نفسها من هي. أي، مع مَن مِن الزوج المطلق ستكون صداقتها أفضل: مع المرأة أم مع الرجل؟ وليس من السهل أبداً، في أي وقت، أن تكون دولة تابعة، ولكن إسرائيل، إلى الآن، فضلت الولايات المتحدة الأميركية. ولكن ما الذي سيحدث إذا بدلت الولايات المتحدة الأميركية جلدها؟ يبدو أن إسرائيل قلقة فقط، في هذه اللحظة، من السؤال حول كيف سترد أميركا إذا ما رفضت الاستماع لترامب، لكن السؤال عما سيحدث إذا ما استجابت إسرائيل لترامب لا يقل أهمية عن ذلك.    

لقد اعترف نتنياهو في وقت سباق أمام شعبه بأنه قلق قبل كل شيء على الحياة ذاتها، أي أنه مستعد للتضحية بنوعية الحياة في إسرائيل من أجل أن يضمن وجودها. وهنا أيضاً سيكون من السهل تبرير الارتباط مع أميركا بأي ثمن لأسباب مصلحية. 

للوهلة الأولى يبدو أنه لا يوجد لإسرائيل الترف الذي يمتلكه الأوروبيون للوقوف باعتزاز أمام أميركا الترامبية، حتى وهي تهدد بكسر التحالفات العالمية والتخلي عن المخاوف الدولية على مستقبل العالم. والسؤال، كما هي العادة دائماً، هو هل يوجد لإسرائيل خطوط حمراء، وإلى أي مدى يمكن لها أن تذهب بعيداً مع حليفتها، وفي أي تحالف، وضد أية معارضة، ستكون مستعدة أن تضع نفسها، وباسم أية قيم؟

المصدر: "الميادين"