حين انتهت الحرب العسكرية على قطاع غزة في اغسطس 2014 بدأت فصول الحرب الحقيقة. أحد الفصول أنه ما تزال مئات العوائل المدمرة منازلهم مشردة تتستر بالعراء رغم الأموال الباهظة التي تكفلت بها الدول المانحة لإعادة أعمار قطاع غزة وقدرت بـ5.4 مليار دولار أمريكي. 

ثلاث سنوات مضت وعملية إعمار غزة تسير ببطء سحلفاة ، لأسباب أبرزها استمرار الحصار على قطاع غزة، وإستيلاء بعض الجهات الرسمية على نسب كبيرة من الأموال المخصصة للإعمار. وفقا لخبراء في الشأن الإقتصادي.

صندوق النقد الدولي وجه أصابع الاتهام إلى السلطة الفلسطينية، إذ كشف عن أنها استولت على تلك الأموال لصالح ميزانيتها الخاصة على حساب غزة، حيث حصلت على أكثر من من 35% من الأموال التي كان يفترض أن توجه لإعادة الإعمار.

وبحسب البيانات الواردة في تقرير البنك الدولي، فإن نسبة ما صرف على إعمار غزة (1.796 مليار دولار) بنسبة 37% من إجمالي المبلغ المدفوع، بينما المال الذي ذهب لدعم الموازنة العامة للسلطة فيقدر 19% بقيمة 336 مليون دولار، والمبلغ المخصص لوكالة الأونروا 16% بقيمة 293 مليون دولار، وتتساوى هذه النسبة تقريبًا مع المساعدات الإنسانية الطارئة التي صرف عليها 280 مليون دولار، ويليه صرف 131 مليون دولار تم تصرفهم دون أي إيضاحات بقيمة 7%.

يقول الدكتور ماهر الطباع مدير العلاقات العامة والإعلام بغرفة تجارة وصناعة بغزة إن ما ورد من معلومات وأرقام في تقرير البنك الدولي تدلل على تعمد تهميش عملية إعمار القطاع.

في حي الشجاعية الذي أكلته آلة الموت الإسرائيلية، يعيش المواطن إبراهيم جندية "44 عاما" بكامل الحذر مع عائلته المكونة من 8 أفراد في منزله المدمر الذي توجد فيه فقط غرفة واحدة تصلح للسكن؛ فأعمدة المنزل وجدرانه متصدعة، لذلك فالرجل حريص أن تكون حركات أطفاله وزوجته في المنزل دقيقة تجنباً لإنهيار المنزل فوق رؤوسهم.

رغم ذلك الرعب التي تعيشه عائلة جندية -لا أحد يجبرها على ذلك_ إلا أنها تفضل العيش في الغرفة بدلا من العيش في الكرفانة التي صُرفت لهم، منتظرة إعادة إعمار المنزل.

وقبل 8 أشهر أرسلت "الاونروا" فريق مهندسين للكشف وتقييم أضرار المنزل، أفادت أن منزل عائلة جندية يحتاج إلى مبلغ 20 ألف دولار. 

يقول إبراهيم الذي يعمل سائق أجرة : "حتى اللحظة لم نستلم دولار واحد(..) أبلغونا أن ذلك متعلق بتجميد المساعدات والنقص في ميزانية الإعمار الخاصة بالأنروا ".

ويتمنى السائق أن يعود منزله كالسابق رغم أن المؤشرات المطروحة على الأرض الواقع تبدد تمنياته ويعي الرجل ذلك، إذ يكمل وهو معقود الحاجب: "يبدو أنني راح أعيش انا وعائلتي في الغرفة المنهارة لسنوات كثيرة للأسف".

هذه عائلة واحدة من مئات العوائل التي تنتظر إستكمال إعمار غزة، وبحسب الدكتور الطباع فأن عدد الذين ما زالوا نازحين وبدون مأوى جراء الحرب الإسرائيلية في صيف 2014 على قطاع غزة، أكثر من 6,300 أسرة (حوالي 33 الف فرد مشرد), وتوجد فجوة عاجلة في المساعدة والحاجه لدعم مالي نقدي لنحو 5,300 أسرة نازحة تقريبا.

فبحسب أخر تقرير للبنك الدولي فإن نسبة ما تم تلبيتة من إجمالي احتياجات التعافي في خمسة قطاعات تأثرت بحرب الأخيرة لا تتجاوز 17% .

ووفقا للطباع الذي يتابع هذا الملف بشكل دائم، فأن ما تم إنجازه في الوحدات السكنية المدمرة كليا, هو بناء 4,274 وحدة سكنية من جديد من أصل 11000 وحدة سكنية دمرت كليا , وهي تمثل فقط 38,8% فقط من كافة الوحدات التي تم تدميرها بشكل كلي.

في الأثناء أكد وزير الأشغال العامة والإسكان الدكتور مفيد الحساينة أن عملية الإعمار ما زالت تحتاج إلى أكثر من 100 ألف وحدة سكنية بقيمة 180 مليون دولار، فيما لا زالت الحاجة إلى مبلغ 100 مليون دولار لإنهاء ملف الأضرار الجزئية لعدوان 2014 بشكل كامل. 

الواضح بأن هناك تباطؤ مقصود في عملية إعمارغزة؛ إذ يقول القيادي في حماس الدكتور يحيي موسى :" جميع الجهات تضغط على غزة؛ وملف الإعمار هو الضلع المكسور للقطاع". وأكد أن قيادة الحركة وضعت في حسبانها أن إعمار غزة لن يكون قريب وقد يمتد ذلك إلى نصف قرن تقريبا، بسبب الممطالة والسياسية التي تنتهجها إسرائيل بمساعدة أيادي عربية.

في المقابل، رئيس المرصد الأورمتوسطي والخبير الاقتصادي رامي عبده، أكد أن الأرقام تعكس استمرارًا لنهج السلطة الفلسطينية القائم على احتكار المعلومة وإخفائها، وتقديم أرقام ملتوية في كل ما يتعلق بغزة. مبينًا أنّ الإشكالية أن هناك غياب لدور رقابي من مختصين وإعلاميين ومنظمات مجتمع مدني. 

مما لا شك فيه أن أبرز الأسباب القاهرة في تعثر إعادة إعمار غزة، هي إستمرار إسرائيل في حصارها التي تمنع إستمرار إدخال مواد البناء وفق الألية الدولية العقيمة المعمول بها حاليا "الية إعمار غزة "GRM , والتي رفضها الكل الفلسطيني منذ الإعلان عنها و ثبت فشلها في التطبيق على أرض الواقع.

وبحسب الطباع أن كمية ما تم إدخاله من مادة الاسمنت للقطاع الخاص لإعادة اعمار غزة خلال الفترة من 14/10/2014 حتى 30/6/2017 بلغت حوالي 1.6 مليون طن , وهي لا تمثل سوى 33% من إحتياج قطاع غزة للأسمنت في نفس الفترة , حيث أن قطاع غزة يحتاج إلى 4.5 مليون طن خلال نفس الفترة لتلبية الإحتياجات الطبيعية فقط , ولا تزال هناك حاجة إلى 46٪ من الاسمنت لحالات إعادة إعمار المساكن التي إستهدفت خلال حرب عام 2014.

من أبرز التحديات، عدم متابعة السلطة الفلسطينية مع الدول المانحة حيثيات اتمام ملف الإعمار، حيث إن جزءًا من المتضررين يتبع المنحة السعودية وبعضها يتبع المنحة القطرية والكويتية، حيث تم تجزئة ملف الإعمار من خلال الأونروا بالاتفاق مع السلطة برام الله.

في النهاية أجمع مراقبون وسياسيون أنه آن الأوان للتخلص من ألية إعمار غزة GRM العقيمة والمذلة وتحرير عملية إعادة الإعمار من أيدي الأمم المتحدة , والبدء بعملية إعادة إعمار جادة و حقيقية لقطاع غزة , ومطالبة الأمم المتحدة بأن تأخذ دورها الحقيقي بالضغط على إسرائيل لإنهاء الحصار الظالم المفروض على قطاع غزة.