يتعامل الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) مع منظمة التحرير على أنها مزرعته الموروثة، هكذا تثبت المواقف منذ بسط سيطرته على سدة الحكم؛ وقد لا يعد البعض وصفه بـ"الديكتاتور" تهجماً على ضوء معاناته مع فوبيا المعارضة.

ويبدو واضحا أن أبو مازن يفرغ في الفترة الأخيرة طاقته في قمع معارضيه من قوى اليسار الفلسطيني، وتحديدا ممثلي الجبهة الشعبية خلال اجتماعات اللجنة التنفيذية للمنظمة. وشن قبل أسابيع هجوماً على النائب في المجلس التشريعي خالدة جرار، بعدما رفضت سلوكه ضد قطاع غزة المتعلق باستقطاع رواتب الموظفين.

ونقل عن أبو مازن قوله في حينه: "أنتِ ضيف غير مرغوب به". مطالبا الرفاق بتغيير ممثلها في اللجنة، فيما ردت الجبهة بالقول :" "لن نسمح لأحد كائن من يكن أن يتدخل في شؤوننا، ودعوة عباس لاستبدال "جرار" تدخل سافر في شؤون الجبهة لن نسمح به، ونحن فقط من نختار ممثلينا في هذه الهيئة أو تلك".

والثابت أن السبب الرئيسي والمباشر لاعتقال الاحتلال للنائب جرار بعد إثارة التجاذب ضد أبو مازن، هو رفضها الواضح للتنسيق الأمني وعودة المفاوضات مع الاحتلال، ودورها في مواجهة القيادة المتنفذة لمنظمة التحرير في اجتماعات اللجنة التنفيذية.

وليست جرار وحدها من اعتقلتها قوات الاحتلال على خلفية صراعهم السياسي مع عباس، إذ حمل ما يعرف بـ"التيار الإصلاحي" التابع للنائب في المجلس التشريعي عن حركة فتح، محمد دحلان، السلطة الفلسطينية، مسؤولية اعتقال الاحتلال للقيادي جمال أبو الليل، على خلفية معارضته السياسية لعباس، داخل البيت الفتحاوي.

 بالعودة إلى بؤرة الحديث؛ حل محل  جرار الرفيق عمر شحادة وفي الإجتماع الأول لممثل الجبهة الشعبية، رحب أبو مازن به على طريقته  حين اعتدى عليه لفظيا  كما قام حارسه بمحاولة الاعتداء الجسدي عليه. هذا السلوك اعتبره الكثير من الفلسطينيين، بمثابة سلوك "زعيم عصابة" وليس زعيما لمنظمة تحرير التي مضى من عمرها 7 عقود.

انتفضت الجبهة اتجاه هذا السلوك، حين اكد رباح مهنا عضو اللجنة المركزية أن جبهته لن تتوانى عن التصدي لتصرفات الرئيس أبو مازن بالتفرد والهيمنة. ويبدو من حديث مهنا أن الرفاق رفعوا سقف لغة الرد، فالمنطق يبين أن أبو مازن يتعامل مع الجبهة على أنها وعاء لتفريغ غضبه. 

ما يدفع بالقول إلى أن  الرئيس لن يتراجع عن هذه العقلية والقرارات الفردية هو أن الخوف يغلف ألسنة باقي الأطراف في اللجنة التنفيذية ما يجعل الجبهة تقف وحيدة في مواجهة تفرد أبو مازن.

وهنا يتوقع مراقبون أن تزداد شراسة الاعتقال ضد معارضي السلطة في ظل الاخبار المتوالية عن مفاوضات سرية تجرى بين قيادة المنظمة والاحتلال، رغم إعلان أبو مازن مؤخرا تجميد التنسيق الامني مع (إسرائيل).

ويبلغ عدد أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير 18 عضواً، يرأسون 15 دائرة تعمل تحت مظلّة المنظمة، من أبرزها دائرة شؤون القدس، ودائرة شؤون المغتربين، ودائرة شؤون اللاجئين، والصندوق القومي الفلسطيني، الذي يتولّى صرف مخصصات دوائر المنظمة والإشراف عليها.

ويقول عضو اللجنة المركزية للجبهة الشعبية عبد العليم دعنا، إن "كل الفصائل مجمعة تدرك بأن هناك تفردًا في القرار الفلسطيني أوجد دكتاتورية ممثلة في شخص الرئيس عباس، وهي التي جرت الويلات للشعب الفلسطيني، وفي القلب منه قطاع غزة".

وأضاف دعنا "عباس وفريقه لم يتوانوا عن تقديم كافة التنازلات لصالح الاحتلال فيما لم يدخر جهدًا للتنكيل بغزة وأهلها، وكل ذلك خارج الاجماع الوطني". 

وكان الرئيس عباس قد افشل ثمانية مشاريع استراتيجية رافضا الاستجابة لها، وكلها توقفت عند أبواب مكتبه، ذلك وفق تأكيدات قيادات في السلطة. وسربت وسائل إعلامية عبرية أن الرئيس عباس رفض مبادرة قطرية تقدم بها السفير القطري محمد العمادي لحل ازمة الموظفين وغيرها من الازمات الأخرى.

 تكمن الخطورة في إتخاذ عباس قرارات فردية، دون أن يأبه بآراء الآخرين؛ هو إمكانية حصره لدوائر عديدة في منظمة التحرير، وخصوصاً التي ترأسها شخصيات لا تتبع إلى حركة فتح، ومحاولة توظيف ذلك في صراعاته داخل الحركة، أو صراعه السياسي مع حركة حماس.

في بداية الشهر الجاري وبخطوة مفاجئة أثارت ردود فعل فلسطينية غاضبة حين غير عباس مسمّى وزارة الخارجية الفلسطينية إلى وزارة "الخارجية والمغتربين"، الأمر الذي اعتبره البعض تحرّكاً جديداً للسيطرة على منظمة التحرير الفلسطينية، التي أُوكل إليها مهام إدارة شؤون المغتربين الفلسطينيين بالخارج.

هنا حذّر طلال أبو ظريفة عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية، من خطوة سيطرة أبو مازن على منظمة التحرير، إذ قال: "ستكون لهذه السيطرة نتائج كارثية وخطيرة للغاية، ومقدمة لخطوات أخرى خارجة عن القانون".

في الملخص لا يمكن ليد واحدة_ معارضة الرفاق_ أن توقف قطار عباس المندفع بالوقود الإسرائيلي والذي يسعى للجم منظمة التحرير وجعلها مؤسسة مطية للسطة، وإن بقيت يد اليسار وحدها ستذبل وسيثمر بدلا منها ثمار الخنوع.